الدكتور مانع جمال عبد الناصر، استاذ القانون الدولي وعميد كلية الحقوق في جامعة عنابة في الجزائر

 الجلسة الثانية: دور مجلس الأمن في مجال حماية حقوق الإنسان كمظهر لحفظ السلم والأمن الدوليين

مقدمة:

كان من آثار الحرب العالمية الثانية الدمار الذي لحق بالدول المتحاربة والمجازر الرهيبة التي ارتكبت بحق ملايين البشر، حيث ارتكبت جرائم حرب بشعة وجرائم ضد الإنسانية.

وبما أن الحرب أفرزت فريقاً منتصراً وفريقاً مهزوماً فقد سعى المنتصر إلى حماية انتصاره قانونياً وتتويجه بمجموعة من الخطوات التي تحفظ له هذا الانتصار وتضمن مستقبلا عدم اتخاذ إجراءات تمس بهذا الانتصار وبقدرته على الردع، لذلك لجأ إلى وضع قواعد جديدة تضمن حماية مصالحه وتفوقه القانوني إضافة إلى تفوقه السياسي والعسكري باعتباره طرفاً منتصراً في حرب عالمية طاحنة.

إن الحروب وما تسببت به من مآس ودمار وبخاصة إبان الحرب العالمية الثانية والتطلع إلى مجتمع دولي ترعى سلوكه قواعد قانونية تعكس التطوّر البشري، كانت في أمسّ الحاجة إلى نظام عالمي يحدّ من ميل الدول إلى اللجوء للقوّة ويدفع بها للاحتكام إلى قواعد قانونية ووسائل سلمية لحلّ النزاعات فيما بينها، التعبير عن هذه الرغبة كان في التوقيع على ميثاق هو بمثابة القانون التأسيسي للأمم المتحدة.

بعد الحرب العالمية الثانية قام الحلفاء بإنشاء محكمة في نورمبرغ لمحاكمة المسؤولين الألمان، ومحكمة طوكيو لمحاكمة المسؤولين اليابانيين، لكن محاكم نورمبرغ وطوكيو -وبالرغم من أنها تبنت إجراءات قضائية متطورة ومتابعة من أشهر رجال القانون - إلا أنها لم تسلم من الانتقاد كونها صنيعة المنتصر حيث خصصت لمحاكمة المهزوم ولم تحاكم المنتصر الذي ارتكب جرائم حرب وجرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية، فهي لم تحاكم من استخدم السلاح النووي لأول مرة في التاريخ وسحق مئات الآلاف من البشر.

بعد انتهاء المحاكمات في نورمبرغ وطوكيو قامت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948 باتخاذ قرار يعبر عن الحاجة إلى محكمة دولية مستقلة لمحاكمة مرتكبي جرائم الحرب، إلا أن هذه المحكمة لم تر النور سوى بعد خمسين عاما، حين جرى التوقيع على الاتفاقية المنشئة للمحكمة الجنائية الدولية الدائمة في روما عام 1998، و دخولها حيز النفاذ سنة 2002.

ولقد لاقت مسألة حقوق الإنسان اهتماما كبيرا في برامج الأمم المتحدة منذ أمد طويل ولكنها أصبحت أكثر إلحاحا في أعقاب هجوم 11 سبتمبر 2001 مع حدوث أعمال إرهابية في العالم.

        ولقد أولت الأمم المتحدة، مع إدانتها للإرهاب إدانة قاطعة بغض النظر عن دوافعها ومع إقرارها بواجب الدول أن تحمي من يعيشون في إطار أقاليمها من الإرهاب، أولوية لمسألة حقوق الإنسان في سياق تدابير مكافحة الإرهاب، بحيث كانت الجزاءات المتخذة من طرف مجلس الأمن بخصوص قضايا الإرهاب منذ أوائل تسعينات القرن الماضي تأخذ شكل جزاءات يفرضها على الدول التي يرى أن لها صلات بأعمال إرهابية معينة وقد جرى توسيع ذلك ليشمل القاعدة عام 2000، وفي هذا الصدد دعا الدول إلى العمل سويا لمنع وقمع جميع الأعمال الإرهابية.

        ومن الثابت أن مسؤولية النهوض بمهام الأمم المتحدة في مجال إشاعة الاحترام العالمي لحقوق الإنسان تقع أساسا على عاتق أجهزة الأمم المتحدة، ومنها مجلس الأمن صاحب المسؤولية الأولى عندما يكون الإخلال بالسلم والأمن الدوليين ناجما عن انتهاكات جسيمة وواسعة لحقوق الإنسان، حيث أسند له ميثاق الأمم المتحدة التبعات الرئيسة في مجال حفظ السلم والأمن الدوليين.

         فمنذ نهاية الحرب الباردة أجاز مجلس الأمن تدخلات إنسانية عديدة في يوغسلافيا سابقا، الصومال، هايتي، وفي سيراليون وغيرها من المناطق التي عرفت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان الأساسية.

        وفي الحالات التي تنطوي على انتهاكات جسيمة للحق في الحياة باعتباره حق من حقوق الإنسان، يبادر مجلس الأمن إلى إدانة الوضع واتخاذ التدابير اللازمة طبقا لأحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وكان من أهمها إنشاء عامي 1993 و 1994 محكمتين جنائيتين دوليتين خاصتين بالنظر في الجرائم المرتكبة في يوغوسلافيا سابقا ورواندا لمعاقبة مرتكبي جرائم الحرب، الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، والذين يتحملون بالطبع مسؤولية ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وهم مسؤولون فرديا بتبعية تلك الانتهاكات وبهذا يكون مجلس الأمن قد وضع خطوة مهمة نحو تجسيد فكرة الجزاء الدولي وتكريس مبدأ المسؤولية الجناية الدولية للأفراد، فضلا عن تكريسه لمبدأ المسؤولية الدولية بالتعويض عن الأضرار الناجمة عن العدوان.

ومن مظاهر تدخلات مجلس الأمن إحالة الأوضاع المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان إلى النائب العام للمحكمة الجنائية الدولية متصرفا بذلك بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، مستندا في ذلك إلى سلطته في الإحالة الممنوحة له بموجب النظام الأساسي لهذه المحكمة.

        ومن مظاهر تدخله أيضا في مجال حماية حقوق الإنسان تصفية الاستعمار، مناهضة التمييز العنصري، التدخلات العسكرية ذات الطابع الإنساني، إنشاء المناطق الآمنة، إنشاء المحاكم الجنائية الدولية الخاصة أو المؤقتة والمحاكم الجنائية الوطنية المدوّلة.

وفي إطار سلطاته أنشأ مجلس الأمن أيضا لجان تحقيق دولية عن انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني مستندا في ذلك إلى سلطاته التنفيذية الممنوحة له بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

وإنشاء محكمتي يوغوسلافيا سابقا ورواندا يختلف تماما عن المحاكم الجنائية الوطنية المدوّلة ذات الطبيعة المختلطة والتي أنشأها مجلس الأمن ، كالغرفة الجنائية المتخصصة لتيمور الشرقية لسنة 2000 والمحكمة الجنائية الخاصة بسيراليون لسنة 2002.

        إلا أن التطور الأهم والأعمق الذي شهده القانون الجنائي الدولي قد جاء في سنة 2007، وذلك من خلال إنشاء محكمة خاصة بلبنان أسند إليها مهمة تطبيق القانون الداخلي اللبناني ومحاكمة الأشخاص المسؤولين عن جريمة اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري ومرافقيه، وهي المحكمة التي تتميز بأنها ذات طابع دولي تختص بالنظر في الجريمة الإرهابية، حيث أن العمل الإرهابي المعروض أمام المحكمة يخضع للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، إذا تم تكييفه من قبل مجلس الأمن بأنه يهدد السلم والأمن الدوليين.

        وبهذا يكون مجلس الأمن قد تعامل مع جريمة اغتيال الرئيس الحريري على أساس أنها جريمة إرهابية تهديد للسلم والأمن الدوليين، ولا تدخل في اختصاصات المحكمة الجنائية الدولية الدائمة التي تنظر في جرائم الحرب وجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية.

        ومن أجل تحديد دور مجلس الأمن في حماية حقوق الإنسان ومواجهة التحديات الدولية الجديدة تهدف هذه الورقة البحثية إلى تبيان دور مجلس الأمن في التصدي للأخطار التي تهدد السلم والأمن الدوليين والإرهاب، ومدى إمكانية قيامه وصلاحياته في إنشاء المحاكم الجنائية الدولية المؤقتة والخاصة ومن بينها المحكمة الخاصة بلبنان، حتى وإن كانت الجريمة المرتكبة قد وقعت في حدود دولة لبنان، وما إذا كان إنشاؤها يستمد شرعيته من القرار الدولي المتعلق بإنشائها بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة أم بموجب الاتفاقية الدولية المبرمة بين الجمهورية اللبنانية والأمم المتحدة، وتحديد القانون واجب التطبيق، وكذلك توضيح مدى نجاعة هذه الأداة في حماية حقوق الإنسان، في إطار الاختصاصات المتجددة لمجلس الأمن.

لذا نقسم هذه الورقة البحثية إلى المحورين التاليين:

المحور الأول: الاختصاصات المتجددة لمجلس الأمن.

المحور الثاني: إنشاء المحاكم الجنائية الدولية الخاصة والمحاكم الوطنية المدوّلة.

 

المحور الأول:

الاختصاصات المتجددة لمجلس الأمن

تتميز اختصاصات مجلس الأمن باعتباره جهاز الأمم المتحدة عهد إليه بالمسؤولية الرئيسة في مجال حفظ السلم والأمن الدوليين، وهو بذلك يباشر هذه المسؤولية بطريق مباشر عن طريق اتخاذ الإجراءات التي تحول دون تهديد السلم والأمن الدوليين، بالإضافة إلى اختصاص التسوية السلمية للمنازعات الدولية واتخاذ التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليين وإعادته إلى نصابه، واختصاصات أخرى.

وبالرغم من ارتباط صلاحيات مجلس الأمن بالمفهوم التقليدي لفكرة تهديد السلم والأمن الدوليين المصحوبة باستعمال غير مشروع للقوة، أين كانت الأزمات الإنسانية بعيدة عن مجال تهديد السلم والأمن الدوليين، فإن تجربة العراق تعتبر أهم خطوة في اتجاه دخول المشاكل الإنسانية في مجال تهديد السلم والأمن الدوليين، وبذلك توسعت صلاحيات مجلس الأمن في تحديد مفهوم السلم والأمن الدوليين، إلى جانب أن المسائل المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان أصبحت من صميم صلاحيات مجلس الأمن.

ومن مظاهر تدخل مجلس الأمن في المسائل المتعلقة بحقوق الإنسان تصفية الاستعمار ومناهضة التمييز العنصري، التدخلات العسكرية ذات الطابع الإنساني، إنشاء المناطق الآمنة لجان التحقيق الدولية وتقصي الحقائق، وصلاحية الإحالة على المحكمة الجنائية الدوليةوإنشاء المحاكم الجنائية الخاصة.

وعلى هذا الأساس نتطرق إلى العناصر التالية:

أولا: اختصاص مجلس الأمن في حفظ السلم والأمن الدوليين.

ثانيا: توسيع صلاحيات مجلس الأمن في تحديد مفهوم السلم والأمن الدوليين.

ثالثا: مظاهر تدخل مجلس الأمن في المسائل المتعلقة بحقوق الإنسان.

 

أولا: مسؤولية مجلس الأمن في حفظ السلم والأمن الدوليين([1])

إنّ الأهداف المتفق حولها سنة 1945 بموجب المادة 01 من الميثاق لا يمكن أن تكون محل خلاف وذلك لوضوحها، فهي تتعلق بـ : حفظ السلم والأمن الدوليين وكذلك بالتعاون الدولي عن طريق ": تطوير وتشجيع احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع..:".

هذه الأهداف يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار حين نتصفح مبادئ الأمم المتحدة المعددة بالمادة 02 فقرة 04 من الميثاق والتي تنص على: "يمتنع أعضاء الهيئة جميعـًا في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة، أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة ".

فما هي إذاً الضوابط القانونية التي جاء النصّ عليها في الميثاق، وعلى مجلس الأمن التقيّد بها؟

إن المعايير المزدوجة، والممارسة الكيفية لسلطة مجلس الأمن في تقدير ما يشكّل تهديداً للسلم والأمن الدوليين، وفي الإجراءات التي يتّخذها لحفظ السلم العالمي يطرح السؤال هل من حدود أو ضوابط قانونية على مجلس الأمن التقيّد بها في ما يتّخذ من إجراءات؟ وإذا وجدت هذه الحدود فما هي وما الذي يمكن القيام به في حال تجاوزها؟

البند الأول من المادة الأولى من الميثاق يفرض أن تكون التدابير التي  تتّخذها الأمم المتحدة لحفظ السلم والأمن الدولي، المقصد الأساسي لوجود الهيئة الدولية، "وفقاً لمبادئ العدل والقانون الدولي". كما تركّز نفس المادة في البندين الثاني والثالث على "التسوية في الحقوق بين الشعوب" وعلى "احترام حقوق الإنسان.... للناس جميعاً بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين ولا تفريق بين الرجال والنساء كأساس للعلاقات الودّية بين الأمم وتحقيق التعاون الدولي، المقاصد الأخرى للأمم المتحدة. كما تعتبر المادة الثانية من الميثاق أنّ المساواة في السيادة بين جميع الدول وعدم التدخّل في "الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي لدولة ما" من المبادئ الأساسية التي تقوم عليها الهيئة الدولية. وتفرض المادة الرابعة والعشرون على مجلس الأمن أن يقوم بالتبعات الموكلة إليه "وفقاً لمقاصد الأمم المتحدة ومبادئها". 

المعايير المزدوجة التي يعتمدها مجلس الأمن في قراراته التي يتّخذها، أو يمتنع عن اتّخاذها، في ما يتعلّق بحفظ السلم والأمن الدوليين، خاصة في العالم العربي، خرق فاضح لمبدأ المساواة أمام القانون. فتجاهل مجلس الأمن لجرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية التي ارتكبتها إسرائيل في لبنان وفلسطين، وقمعها ممارسة  الشعب الفلسطيني لحقهّ  في تقرير مصيره، وكذلك قرارات مجلس الأمن التي تضفي شرعية على الحرب العدوانية على العراق والسكوت عن جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية والتعذيب التي ارتكبت خلال الغزو الأميركي والمتعدد الجنسيات للعراق، كل ذلك يعطي الدليل القاطع على خروج مجلس الأمن عن الضوابط القانونية الواجبة لشرعية قراراته.

خروج مجلس الأمن في قراراته عن القانون الدولي، لا بل عن الصلاحيات الممنوحة له في الميثاق، أمر مقلق ويحظى باهتمام بالغ من قبل أهل القانون، وإذا لم يراع المجلس الضوابط القانونية ومبادئ العدالة المفروضة في الميثاق في كافة قراراته، فإنّ هذا الامتياز من شأنه، ليس فقط الإخلال بمبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضاء الأمم المتحدة (وهو أوّل المبادئ التي ينصّ عليها الميثاق)، ولكن دفع تلك الدول وخاصة أقواها إلى اعتبار نفسها خارج القانون في كل ما يمكن أن يخلّ بالسلم والأمن الدولي.

أمّا الفقرة 07 من المادة 02 ميثاق والتي تثار في مناسبات عديدة فإنها تنص على: "ليس في هذا الميثاق ما يسوغ للأمم المتحدة أن تتدخل في الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي لدولة ما، و ليس فيه ما يقتضي الأعضاء أن يعرضوا مثل هذه المسائل لأن تحل بحكم هذا الميثاق، على أن هذا المبدأ لا يخل بتطبيق تدابير القمع الواردة في الفصل السابع".

إلا أن هدا المبدأ لا يمس بتطبيق التدابير القهرية المنصوص عليها بالفصل السابع:".

من جهة أخرى فإن المادة 24 من الميثاق تذكر أنّ مجلس الأمن يعمل طبقا لأهداف  و مبادئ الميثاق ،وأنّ عدم الأخذ بهذا المعنى قد يفيد أن قرارات المجلس يمكن أن توصم بـ: (السطو على السلطة) لفائدة عضو نافذ في المجلس.

يثبت إذن لمجلس الأمن طبقا للفصل السابع من الميثاق تقرير ما ينبغي اتخاذه من إجراءات وتدابير في حالة أي تهديد للسلم، مع الإشارة أن صياغة الفقرة 07 من المادة 02 تعني وتقصد تلك العناصر: " التي تكون في الأساس من الاختصاص الوطني للدولة:" ، وهنا نلاحظ من صياغة النص أنه لا توجد اختصاصات وطنية خالصة للدولة تمكّـن من إعاقة عملية التدويل.

وحتى على صعيد التصريحات الفردية أو الجماعية نلاحظ أن الدول قد ضاعفت من التزاماتها السياسية، وبذلك تكون هذه الدول قد دعمت مشروعية حق المجموعة الدولية في الاطلاع أو (حق الملاحظة)، وبعد ما بات هذا الحق مكرسا ومشروعا بفضل الممارسة الدولية لم يبق سوى تحديد طبيعة هذا الحق وتبقى مسألة حدود هذا الحق والقيود الواردة عليه والاختصاص الشخصي فيه، تتطلب التحديد.

وقد ينفرد مجلس الأمن باختصاصات دون مشاركة من الجمعية العامة للأمم المتحدة حيث يقوم مجلس الأمن طبقاً للمادة 26 من الميثاق([2])بوضع الخطط والترتيبات اللازمة للتسليح الدولي وتنظيمه، على أن تعرض تلك الخطط على أعضاء الأمم المتحدة. وطبقاً للفقرة الأولى من المادة 27 تقوم لجنة أركان الحرب بتقديم المشورة أو المعونة اللازمة لمجلس الأمن حول تحديد كيفية استخدام القوات المسلحة الموضوعة تحت تصرف المجلس، كما يقوم المجلس طبقاً للمادة 83/1 من الميثاق([3])بالإشراف على الأقاليم والمناطق الإستراتيجية الخاضعة لنظام الوصاية، ويقوم المجلس أيضا بتقرير وجود حالة تهدد السلم، أو حالة اعتداء والتوصية باتخاذ ما يلزم بشأنها، أو تقرير اتخاذ إجراءات عسكرية ضد الدولة المعتدية وأخيراً العمل على تنفيذ الأحكام والقرارات التي تصدرها محكمة العدل الدولية.

وفي حالة امتناع إحدى الدول المتقاضية في قضية معينة عن القيام بما يفرضه حكم المحكمة، فللطرف الآخر الرجوع إلى مجلس الأمن، وللمجلس إما أن يقدم توصية في هذا الشأن، أو إصدار قرار باتخاذ التدابير والإجراءات اللازمة لتنفيذ الحكم الصادر من المحكمة وذلك طبقاً لأحكام الفقرة الثانية من المادة 94 من الميثاق([4]).

هذا، وله اختصاصات مشتركة مع الجمعية العامة، حيث حدد ميثاق الأمم المتحدة صلاحيات مجلس الأمن في شأن حفظ السلم والأمن الدوليين في الفصل السابع منه،و تتضمن سلطات واسعة وخطيرة، حيث تخول المجلس سلطة اتخاذ إجراءات وتدابير قمعية في حال تهديد السلم أو الإخلال به، أو وقوع العدوان بموجب قرارات ملزمة للدول الأعضاء وذلك من أجل حفظ السلم أو إعادته إلى نصابه([5]).

هذا وليس لمجلس الأمن قواعد محددة بشأن تحديد ما يعرض عليه من مسائل لكنه ينظر إلى كل مسألة بعينها، ليقرر صفتها أو وضعها فيما إذا كانت تشكل تهديداً للسلم أو إخلالا به أو عدواناً، ثم اتخاذ ما يراه مناسباً وملائماً من توصيات أو إجراءات قمعية، وهي على النحو الآتي: إجراءات مؤقتة، حيث تنص المادة 40 من الميثاق([6])على أنه منعاً لتفاقم الموقف فإن لمجلس الأمن قبل أن يقدم توصياته أو يتخذ التدابير المنصوص عليها في المادة 39 من الميثاق([7])بأن يدعو الأطراف المتنازعة الأخذ بما يراه ضرورياً أو ملائماً من تدابير وإجراءات مؤقتة، مع تنبيه الأطراف إلى أن عدم الخضوع لها سيجعل المجلس يتخذ ما يراه مناسباً من إجراءات وتدابير عسكرية، وتخول المادة 41 من الميثاق مجلس الأمن أن يتخذ من التدابير عند استخدام القوة المسلحة لتنفيذ قراراته، وله الحق في أن يطلب من أعضاء الأمم المتحدة تنفيذ هذه التدابير التي يمكن أن يكون من بينها وقف العلاقات أو الصلات الاقتصادية والمواصلات الحديدية والبحرية والجوية والبرية والبرقية اللاسلكية وغيرها من وسائل الاتصالات والمواصلات سواءً كان ذلك وقفاً جزئياً أم كلياً، وقطع العلاقات الدبلوماسية. ووفقاً للفقرة الرابعة من المادة 41 يشكل المجلس لجنة عقوبات لمتابعة تنفيذ هذه الإجراءات، كما تنص المادة 42 من الميثاق على أن لمجلس الأمن الحق في استخدام القوات العسكرية البحرية والبرية والجوية بهدف الحفاظ على السلم والأمن الدوليين أو لإعادته إلى نصابه([8]).

يستفاد من ذلك أن ميثاق الأمم المتحدة قد خول مجلس الأمن سلطة فرض العقوبات العسكرية بحق أية دولة تقوم بتصعيد نزاعها مع أية دولة أو دول أخرى بالشكل الذي يهدد السلم والأمن الدوليين، ومن دون أخذ موافقة الدولة التي يتقرر استخدام القوة العسكرية ضدها.

ومما يذكر في هذا المجال أن المادة 12 من الميثاق قد حددت العلاقة بين مجلس الأمن والجمعية العامة بالنص على أنه عندما يباشر المجلس اختصاصه بصدد نزاع أو موقف معين، فليس للجمعية العامة أن تقدم أية توصيات أو اقتراحات في هذا الخصوص أو الموقف إلا إذا طلب منها مجلس الأمن ذلك. ونصت المادة في فقرتها الثانية بأن يخطر الأمين العام بموافقة المجلس، الجمعية العامة بكل المسائل والأمور المتعلقة بحفظ السلم والأمن الدوليين والتي تكون محل نظر مجلس الأمن. وكذلك يخطر الأمين العام الجمعية العامة بانتهاء المجلس من النظر في تلك الأمور والمسائل، وذلك بمجرد انتهائه منها، إلا أن الفقرة الثانية من المادة 11 من الميثاق قد خولت الجمعية العامة الحق في مناقشة أية مسألة لها صلة بحفظ السلم والأمن الدوليين، شريطة ألا يكون هناك أي تعارض بين مجلس الأمن والجمعية العامة في شأن أي اختصاص يختص به المجلس، وذلك بهدف عدم الازدواج في الوظائف والاختصاصات.

إن اهتمام الأمم المتحدة عموما ومجلس الأمن خاصة بمسألة احترام حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني برز بشكل أكبر وبقوة مع نهاية الحرب الباردة، التي أدت إلى ظهور نظام عالمي جديد يتسم بتغذية العنف والتفكك الداخلي، وحدوث صراعات داخلية ترتفع فيها معدلات انتهاك حقوق الإنسان على أسس عرقية أو لغوية أو دينية ، كما حدث  في منطقة البلقان والصومال ورواندا،وما انجر عنها من مآس إنسانية رهيبة ارتكبت فيها أبشع الانتهاكات ضد المدنيين.

نتيجة لذلك وجدت الأمم المتحدة نفسها، في تلك المرحلة أي مع نهاية الحرب الباردة مجبرة على التدخل لوضع حد للانتهاكات الجسيمة والواسعة النطاق لحقوق الإنسان التي تحدث في مناطق الصراعات المسلحة خاصة الداخلية منها، لكونها الهيئة الدولية الوحيدة التي لها سلطة حفظ السلم والأمن الدوليين في العالم، خاصة مع اعتبار أن مسألة حماية حقوق الإنسان لم تعد شأنا داخليا للدول بل هي مسألة تتعلق بحفظ السلم والأمن الدوليين.

وباعتبار أن مجلس الأمن هو أهم جهاز في المنظمة نظرا لما يخوله له ميثاق الأمم المتحدة من صلاحيات بموجب سلطاته المحددة في الفصلين السادس والسابع من الميثاق وبتحرره من القيود التي فرضتها عليه الحرب الباردة، أصبح المجلس أكثر قدرة على إدارة الأزمات الإنسانية ومواجهة الانتهاكات الجسيمة وواسعة النطاق لحقوق الإنسان، حيث ربط مجلس الأمن هذه الانتهاكات بمسألة حفظ السلم والأمن الدوليين.

 

ثانيـًا :  توسع مجلس الأمن في مفهوم تهديد السلم والأمن الدوليين:

إن المفهوم التقليدي لفكرة تهديد السلم والأمن الدوليين كان مرتبطا بالحالات التي تحدث فيها تصرفات مصحوبة باستعمال غير مشروع للقوة، أما الأزمات الإنسانية فقد كانت بعيدة عن مجال تهديد السلم والأمن الدوليين، وكانت تجربة العراق أهم خطوة في اتجاه دخول المشاكل الإنسانية في مجال تهديد السلم والأمن الدوليين، وذلك بعد أن سجلت بداية التوسع في قضية روديسيا وجنوب إفريقيا.

       فقد جعل مجلس الأمن من الخروقات الجسيمة  للالتزامات  الدولية  الحجة على العموم  مثل تحريم استخدام القوة في العلاقات الدولية، تحريم الإبادة الجماعية، الفصل العنصري الانتهاكات الواسعة والجسيمة لحقوق الإنسان، الإرهاب والأزمات الإنسانية تمديدا لنوع جديد للسلم والأمن الدوليين، نظرا لما تشكله هذه الأزمات من تحد للأمن الدولي([9]).

       هذا ما أثبته بيان قمة مجلس الأمن الصادر في 31 جانفي 1992 بشأن البند المعنون "مسؤولية مجلس الأمن في صون السلم والأمن الدوليين"، بحيث أدى رئيس مجلس الأمن بالبيان نيابة عن أعضاء المجلس ومما جاء في هذا البيان اعتبار أعضاء مجلس الأمن اجتماعهم اعترافا جاء في حينه بأن هناك ظروف دولية جديدة مواتية بدأ مجلس الأمن في ظلها يضطلع بفعالية أكثر بمسؤوليته الرئيسية عن صون السلم والأمن الدوليين، بحيث يعقد هذا الاجتماع في وقت يشهد تغيير بالغ الأهمية فقد بعث انتهاء الحرب الباردة الأمل في قيام عالم أكثر أمنا وإنصافا وإنسانية، وأحرز تقدم سريع في كثير من مناطق العالم في تحقيق الديمقراطية وإقامة أشكال حكم متجاوبة وكذلك في تحقيق المقاصد الواردة في الميثاق، ومن شأن إزالة الفصل العنصري في جنوب إفريقيا أن يشكل إسهاما كبيرا في هذه المقاصد والاتجاهات الإيجابية، بما في ذلك تشجيع احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية، ويلاحظ أعضاء المجلس أن مهام الأمم المتحدة لصيانة السلم قد زادت واتسع نطاقها بشكل كبير في السنوات الأخيرة، فعمليات مراقبة الانتخابات والتحقق من احترام حقوق الإنسان وإعادة اللاجئين إلى وطنهم، جزء لا يتجزأ من الجهود التي يبذلها مجلس الأمن لصون السلم والأمن الدوليين في تسوية المنازعات الإقليمية بناءا على طلب الأطراف المعنية أو بموافقتها([10])ومن أهم ما جاء في هذا البيان: "

" إن عدم نشوب الحروب والمنازعات العسكرية بين الدول ليس في حد ذاته ضمانا للسلم والأمن الدوليين، فقد أصبحت المصادر غير العسكرية لعدم الاستقرار في الميادين الاقتصادية والاجتماعية، والإنسانية والإيكولوجية تشكل تهديدا للسلم والأمن الدوليين، ومن الضروري أن تولي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة ككل أولوية عليا لحل هذه المشاكل عن طريق الأجهزة المناسبة".

      وبهذا تكون هذه القمة قد أرسلت الخطوط العريضة للتفسير الموسع لمفهوم تهديد السلم والأمن الدوليين، وبالتحديد في مجال انتهاكات حقوق الإنسان التي ستترجم في ممارسة مجلس الأمن باعتباره الجهاز الرئيسي للحفاظ على السلم والأمن الدوليين.

       أيضا أكد رئيس مجلس الأمن في بيانه الصادر في 26 فيفري 1993 باسم الدول الأعضاء المجتمعة الذي يقنن فيه الممارسة الجديدة للمجلس في مجال حماية حقوق الإنسان وبعد إجراء مشاورات مع أعضاء المجلس، فإن المجلس سلم بسيادة الاهتمامات الإنسانية ويلاحظ بقلق نشوب الأزمات الإنسانية، بما في ذلك عمليات التشريد الجماعي للسكان مما أصبح يشكل تهديدات أو مزيدا من التهديدات للسلم والأمن الدوليين([11]).

ثالثـًا: مظاهر تدخل مجلس الأمن في المسائل المتعلقة بحقوق الإنسان:

قد بحث مجلس الأمن موضوعات ومشاكل عديدة ذات صلة بحقوق الإنسان أهمها:

1- تصفية الاستعمار ومناهضة التمييز العنصري:

دافع مجلس الأمن كجزء من سياسته الخاصة بتصفية الاستعمار في مناسبات عديدة عن الحق في تقرير المصير للشعوب كافة ومناهضة التمييز العنصري، حيث بحث مجلس الأمن في مناسبات عديدة الوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة وأكد على وجوب احترام الشعب الفلسطيني، وأهمها حقه في تقرير المصير كما قام في مواضع أخرى بإقرار عدد من الاستفتاءات الإقليمية قصد ضمان لمجموعة من الشعوب الحق في تقرير مصيرها و تمكينها من ممارسته الفعلية.

ومن أمثلة ذلك قضية تيمور الشرقية([12])، حيث أنه وبتاريخ 28 نوفمبر 1975 فيما كانت الفراتلين "Freitlin" وهي حركة تحرير تيمور الشرقية تعلن عن استقلال جمهورية التيمور الشرقية الديمقراطية عن المستعمر البرتغالي، قامت اندونيسيا بضم إقليم تيمور الشرقية بموجب الاستشارة الشعبية التي كانت ثمرة الاتفاق المبرم برعاية الأمم المتحدة بين البرتغال وهي السلطة الإدارية بحكم القانون واندونيسيا وهي السلطة التي تمارس الرقابة الفعلية على الإقليم التيموري.

وفي هذا الصدد قام مجلس الأمن للأمم المتحدة سنة 1975 بإدانة التدخل العسكري الأندونيسي بموجب التوصية رقم 384 المعتمدة في 22 ديسمبر 1975 وفيها يلح مجلس الأمن على سحب القوات العسكرية الاندونيسية من إقليم تيمور الشرقية، 

واصلت اندونيسيا عملها على الإقليم دون اهتمام بالتوصية. حيث أعلنت بتاريخ 17 جويلية 1976 تيمور الشرقية المقاطعة الاندونيسية السابعة والعشرين (27) وبذلك تم ضم هذا الإقليم بصفة رسمية.

حيال هذا التصرف الأحادي الجانب فإن الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب التوصية 31/53 المعتمدة بتاريخ 01 ديسمبر 1976 رفضت الادعاء الذي يفيد ضم تيمور الشرقية إلى اندونيسيا لعدم إتاحة الفرصة لشعب الإقليم في ممارسته الحرة لحقه في تقرير المصير والاستقلال، كما ذكرت الجمعية العامة بالحق الثابت لكافة الشعوب في تقرير مصيرها واستقلالها، وذلك بالرجوع إلى مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، فضلا عن التوصية رقم 1514 الصادرة بتاريخ 14 ديسمبر 1960.

شهدت العشريتين التي عقبت الاجتياح الاندونيسي تشكيل مجموعات مقاومة تيمورية البعض منها كان له توجه سياسي فيما فضل البعض الآخر العمل المسلح مثل القوات المسلحة لتحرير تيمور الشرقية، أما الرد الاندونيسي فكان بتدريب ودعم ميلشيات محلية أوكلت لها مهمة مواجهة وردع حركات المقاومة في عمومها.

شكلت سنة 1998 مرحلة مفصلية في هذا النزاع، فباستقالة الرئيس "سوهارتو" وتقلد الرئيس "بشار الدين يوسف حبيبي" السلطة في اندونيسيا، الذي أبدى انفتاحا كبيرا حيال القضية التيمورية، ما سمح بتفتح زخم سياسي كبير لدى الحركات التيمورية.

وفي شهر جانفي 1999 اقترح الرئيس حبيبي على سكان الإقليم التمتع بحكم ذاتي موسع في إطار الدولة الاندونيسية أو الاستقلال في حالة رفض المقترح، هذا الأمر أفضى إلى إبرام اتفاق بتاريخ 05 ماي 1999 بين كل من اندونيسيا، البرتغال والولايات المتحدة الأمريكية، والذي بموجبه تلتزم الحكومة الاندونيسية بتوفير الظروف الملائمة لسير عملية الاستفتاء لاسيما تأمين العملية.

      وبالموازاة مع ذلك اعتمد مجلس الأمن التوصية 1246([13])التي تقرر بموجبها إنشاء بعثة الأمم المتحدة الخاصة بتيمور الشرقية "MINUTO" ومهمتها مرافقة الاستشارة الشعبية وبعد العديد من التأجيلات نظرا للظروف الأمنية غير المشجعة والتي كانت محل تقارير عديدة من طرف الأمين العام للأمم المتحدة، أجري الاستفتاء في 30 أوت 1999، مع الإشارة أن حملة عسكرية واسعة النطاق من طرف المليشيات المسلحة الموالية لأندونيسيا قد بدأت في هذا اليوم.

      وقد جاء في تقرير بعثة الأمم المتحدة المرسل إلى الأمين العام للمنظمة والمؤرخ في 11 سبتمبر 1999 أنه ": لا يمكن استبعاد فرضية أن الاعتداءات المسلحة من طرف المليشيات المسلحة تشكل الخطوات العملية الأولى لحملة إبادة جماعية تهدف إلى خنق القضية التيمورية بالقوة."

      وتجدر الإشارة أن عمليات التصفية الجسدية قد بدأت بشكل واضح عقب إعلان الأمين العام للأمم المتحدة "كوفي عنان" عن نتائج الاستفتاء بتاريخ 03 سبتمبر 1999 وفيه رفض شعب تيمور مشروع الضم إلى اندونيسيا، وهو ما أثار حفيظة المليشيات المسلحة والتي باشرت بدعم فاعل أو على الأقل في غياب أي اعتراض من الجيش الاندونيسي بعمليات تقتيل واسعة شملت المناضلين الداعمين للاستقلال([14])، صاحبت هذه العمليات الإبادة بحسب محافظة الأمم المتحدة للاجئين نزوح ما يقارب 250 ألف تيموري، فضلا عن تحطيم مهول للممتلكات.

      بتاريخ 25 سبتمبر 1999 وافق الرئيس حبيبي على توصية مجلس الأمن رقم 1264 التي تقضي بإرسال قوة عسكرية دولية "INTERFET" مهمتها استرجاع السلم في تيمور الشرقية، تتكون هذه القوة من 7000 رجل تحت قيادة أسترالية ووصلت بالفعل إلى "ديلي" بتاريخ 20 سبتمبر1999.

وبتاريخ 20 أكتوبر 1999 ألغى البرلمان الاندونيسي مرسوم 17 جويلية 1976 الذي قضى بضم تيمور الشرقية إلى أندونيسيا.

      في الـ 25 أكتوبر 1999 بموجب التوصية 1972 أنشأ مجلس الأمن إدارة الأمم المؤقتة لتيمور الشرقية، حيث أوكلت إلى هذه الإدارة الأممية "ATNUTO" مهمة إعادة بناء وإعمار ما سوف يكون دولة تيمور الشرقية في المستقبل، ومن ضمنها إعادة هيكلة وتأسيس نظام قضائي يمكنه القيام بمهامه.

كما اعتبر مجلس الأمن نظام التمييز العنصري ينطوي على تهديد للسلم وتعامل معه بموجب صلاحياته الواردة في الفصل السابع من الميثاق، حيث أصدر قرارات عديدة تدعو الدول إلى احترام حقوق الإنسان، وفرض عددًا من الجزاءات على النظام العنصري.

حيث من بين العديد من الحالات ذات الصلة بحقوق الإنسان نتناول حالتي روديسيا الجنوبية ونظام الآبارتايد بجنوب إفريقيا.

الحالة الأولى : روديسيا الجنوبية

عندما أعلنت الحكومة القائمة في روديسيا الجنوبية الاستقلال من جانب واحد عن نظام " إيان دوغلاس سميث"، أصدر مجلس الأمن في اليوم الثاني لإعلان الاستقلال قراره رقم 216 في 12 نوفمبر 1965 أعلن فيه إدانته لإعلان الاستقلال من جانب واحد الصادر من جانب أقلية عنصرية في روديسيا الجنوبية، وطالب جميع الدول بعدم الاعتراف بنظام الأقلية العنصرية غير الشرعي في روديسيا الجنوبية، وبالامتناع عن تقديم أي مساعدة لذلك النظام.

وفي 20 نوفمبر 1965 أصدر مجلس الأمن قرارا جديدا متعلقا بنفس المشكلة أعلن فيه خطورة الموقف الناشئ عن إعلان الاستقلال، إذ أنه يمثل خطرا يهدد السلم والأمن الدوليين كما طالب الدول بقطع علاقاتها الاقتصادية معها وحظر تصدير الأسلحة إليها، كما دعا إلى فرض حظر على تزويدها بالنفط، وتتابعت القرارات الصادرة عن مجلس الأمن، من أهمها القرار253 الصادر في سنة 1968، والذي قرر فيه مجلس الأمن اتخاذ تدابير عقابية تتناول كافة مجالات النشاط الاقتصادي في روديسيا.

وعلى الرغم من إعلان تلك المقاطعة العامة التي فرضت، فإن أي أثر لم يظهر لها وأكد مجلس الأمن في قرار له على فشل كل الإجراءات التي اتخذت من أجل إنهاء حركة التمرد في روديسيا.

وفي سنة 1976، قرر مجلس الأمن في قرار جماعي، توسيع نطاق العقوبات الإلزامية ضد روديسيا الجنوبية بعد أن أكد من جديد أن الموقف في هذا البلد يشكل تهديدا للسلم والأمن الدوليين، وتحظر العقوبات الجديدة المتخذة في هذا القرار تأمين أية صادرات أو واردات من روديسيا الجنوبية أو إليها، أو أية منتجات أو ممتلكات في نطاق الإقليم.

مع التذكير أن مجلس الأمن قد اعتبر إعلان الاستقلال هذا أنه تهديدًا للسلم والأمن الدوليين، لأنه انتهك مبدأ من مبادئ القانون الدولي، وهو مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، وكذلك لأنه نظام عنصري انتهك حقوق الإنسان وحرياته الأساسية التي كفلها ميثاق الأمم المتحدة، وظل مجلس الأمن يوسع في العقوبات الاقتصادية ضد حكومة روديسيا الجنوبية، إلى أن تم إبرام اتفاق "لانكسترهاوس" بإقامة زمبابوي المستقلة، حيث أصدر مجلس الأمن القرار رقم 460 بتاريخ 21/12/1979 القاضي إنهاء العقوبات.

الحالة الثانية : مناهضة مجلس الأمن لنظام الآبارتايد بجنوب إفريقيا

اهتمت الأمم المتحدة بمشكلة مناهضة العنصرية خاصة في جمهورية جنوب إفريقيا منذ إنشائها، وقد رأت أن العنصرية والتمييز العنصري يشكلان إهانة للكرامة الإنسانية، وخرقـًا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية، وعقبة أمام العلاقات الودية والسلمية بين الدول.

وقد وصفت الجمعية العامة في عدد من القرارات " الآبارتايد " والأنظمة الاستعمارية والعنصرية القائمة عليه، بأنها خطر كبير على السلم والأمن الدوليين، ولفتت انتباه مجلس الأمن إلى ذلك الوضع مطالبة بتبني إجراءات عملية بمقتضى الفصل السابع من الميثاق.

وقد أبقى مجلس الأمن الوضع في جنوب إفريقيا تحت المراقبة، وطلب من السكرتير العام تقديم التقارير له بصورة مستمرة، وطلب المجلس كذلك من السكرتير العام أن  ينشىء تحت إدارته مجموعة صغيرة من الخبراء من أجل دراسة وسائل تسوية الوضع في جنوب إفريقيا من خلال التطبيق الكامل السلمي المنظم لحقوق الإنسان والحريات الأساسية على سكان الإقليم جميعهم ككل بصرف النظر عن العرق، اللون أو العقيدة.

وفي عام 1976 نظر مجلس الأمن في شكوى تقدمت بها ثلاث دول نيابة عن المجموعة الإفريقية تتعلق بتدابير القمع بما في ذلك عمليات القتل الوحشي التي ارتكبها النظام الحاكم في جنوب إفريقيا.

وعبر المجلس عن صدمته إزاء عمليات القتل والجرح واسعة النطاق للأفارقة في جنوب إفريقيا، وفي عام 1977 فرض مجلس الأمن عقوبة حضر على التعاون الحربي والنووي مع جنوب إفريقيا عملا بمقتضى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

وقد انتهت العقوبات المفروضة على إفريقيا الجنوبية بعد انتهاء نظام الفصل والتمييز العنصري، واعتماد  دستور جديد وإجراء انتخابات تسلم فيها "نيلسون مانديلا" رئاسة الدولة.

وقد أصدر مجلس الأمن القرار رقم 919 المؤرخ في 25/05/1994 بإنهاء العقوبات.

2- التدخلات العسكرية ذات الطابع الإنساني:

نستنتج مما سلف أن الحالة الحصرية التي تستدعي تدخلا دوليا في أزمة داخلية تبقى تلك التي تبررها لوحدها الاعتبارات ذات الطبيعة الإنسانية، بمعنى إرادة المجتمع الدولي في حماية الشعب محل التهديد من طرف السلطة القائمة مهما كانت الطريقة التي وصلت بها تلك السلطة إلى سدة الحكم، سواء كانت منتحلة أو حقيقة.

هذه الفرضيات التي يحتل فيها تكييف (تهديد ضد السلم) بعدا إنسانيا في الأساس تبقى قليلة جدا من حيث العدد. في الغالب تكون الخطورة و الاستعجال اللذين تكتسيهما الأزمة هي التي تدفع مجلس الأمن إلى السماح أو الترخيص بتدخل دولة نشطة في المنطقة التي تشهد الأزمة بالخصوص إذا كانت لتلك الدولة التي يقع عليها الاختيار مصالح اقتصادية قوية هناك و هو ما يسهم في حالة عدم الوضوح السياسي والعسكري الذي يصاحب التدخل الإنساني، مع ذلك لوحظ أن هذا التدخل يأتي دائما متأخرا وهنا كذلك دليل على هشاشة التدابير الوقائية المتخذة من طرف الأمم المتحدة، ففي حالات هايتي، رواندا، و تيمور الشرقية يحاكي التدخل الإنساني حالة عدم الارتياح التي يعاني منها ضمير المجموعة الدولية.

 

  • أزمة هايتي:

وفيها نظمت منظمة الأمم المتحدة ولأول مرة انتخابات داخل دولة مستقلة في ديسمبر 1990([15])، أضفت الشرعية على وصول "جان برتران أريستيد"إلى السلطة كرئيس منتخب بصفة مشروعة، و هو ما اعتبر بعد الإطاحة بهذا الرئيس عن طري انقلاب عسكري في 30 سبتمبر 1991 التزاما معنويا وأدبيا واقعا على منظمة الأمم المتحدة بأن تضمن نوعـًا من الاستمرارية الشرعية في هذا البلد، وعليه توالت توصيات مجلس الأمن عقب الانقلاب ما أكد عزم المنظمة الأممية انخراطها بطريقة صارمة أكثر فأكثر في هذه الأزمة الدستورية الداخلية، على أساس الفصل السابع من الميثاق.

حيث تسلم مجلس الأمن زمام الإدارة السياسية للأزمة ابتداء من فرض حظر نفطي ومالي  بموجب القرار 841 )1993(،  تم فرض حظرا اقتصاديا شاملا بموجب القرار 917 )1994(.

حتى جاءت التوصية 940 المعتمدة في 30 جويلية 1994 (مع امتناع كل من البرازيل والصين وهي العضو الدائم في مجلس الأمن عن التصويت) تسمح للولايات المتحدة الأمريكية بالتدخل العسكري في الجزيرة حتى تضع نهاية لـ " الأزمة الإنسانية" وإعادة الاعتبار إلى الرئيس المخلوع.

وكما يدرك الجميع فإن مفاوضات موازية، مفاوضات الفرصة الأخيرة، قادها الرئيس الأمريكي الأسبق "جيمي كارتر" منحت مخرجا مشرفا للانقلابيين، في نفس الوقت الذي بدأت فيه الحملة العسكرية الأمريكية.

خلال كل مراحل الأحداث التي عرفتها هايتي تم الانتقاص من القيمة القانونية لهذه السابقة بالتأكيد على الظروف الاستثنائية لهذه الأزمة.

والملاحظ هنا أن مجلس الأمن اعتبر أن الوضع في هايتي يشكل تهديدا للسلم والأمن الدوليين، وفقا لثلاثة مواضيع أو محاور أو أسباب تتكرر في قرارات المجلس هي : القمع الوحشي الذي تعرض له السكان على أيدي قوى أمن الدولة، الأثر الاجتماعي والاقتصادي لتدفق اللاجئين الخارجين إلى دول أخرى، وانتهاك حق الشعب الهايتي في اختيار حكومته([16]).

  • أزمة رواندا:

وفيها يمكن ذكر العملية العسكري التي قادتها فرنسا أو ما يسمى بعملية الزمردة، حيث رخص مجلس الأمن لفرنسا – مع تحفظات كثيرة- بالتدخل العسكري في رواندا بموجب التوصية 929 لـ 22 جوان 1994 ، وفيها كان مجلس الأمن يحبذ عملية مؤقتة ومحدودة في الزمن تحت قيادة ورقابة وطنية فرنسية صرفة، تهدف إلى المساهمة بصفة محايدة في ضمان أمن وحماية النازحين واللاجئين والمدنيين في رواندا، وعلى الرغم من إلحاح أعضاء مجلس الأمن على تضمين التوصية عبارة – بصفة محايدة- وهي العبارة التي تعكس حذر مجلس الأمن من الدور الفرنسي، إلا إن التوصية لم تحظى بالإجماع واعتمدت بعشرة (10) أصوات موافقة و رفض خمسة (05) أصوات عبرت عن الرفض مع امتناع خمسة (05) دول عن التصويت([17]).

ج- أزمة تيمور الشرقية:

في حالة تيمور الشرقية تدخلت أستراليا بتفويض من مجلس الأمن، وهي الحالة التي عهدت فيها للأمم المتحدة تنظيم استفتاء حول الاستقلال وحدوث انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، حيث اتهمت المنظمة بمسؤوليتها عن اندلاع الأزمة بعدما فشلت المنظمة ولمدة 25 سنة عن تسوية النزاع الداخلي الاندونيسي في التيمور([18]).

وعلى العموم وإن كانت كل حالة من الحالات الثلاث تبدو استثنائية - سواء تعلق الأمر بهايتي، أو بالإبادة الجماعية في رواندا أو وضعية تصفية الاستعمار في تيمور الشرقية فإن القاسم المشترك بين الأزمات الثلاث هو الضوء الأخضر الممنوح من مجلس الأمن لتدخل عسكري طارئ تقوده دولة نشطة في المنطقة من أجل هدف إنساني في الأساس أو لوضع حد لانتهاكات ممنهجة لحقوق الإنسان وفي الحالتين الأخيرتين تقتيل للمدنيين([19]).

وعليه ففي الحالات الثلاث إذا كان هناك تدخل إنساني فإنه كان بترخيص وتفويض صريح من مجلس الأمن إعمالا للفصل الثالث من الميثاق، ولا يتعلق الأمر حينها بتدخل غير مشروع، إنما هو ممارسة إحدى الهيئات التابعة لمنظمة الأمم المتحدة لاختصاصاتها القانونية أما ما هو مبعث للنقاش هو أننا قد نتقبل مسألة انتقاد دور مجلس الأمن وعمله إلا في حالات  الاستعجال والخطورة، مع ملاحظة محدودية التدابير الدبلوماسية الوقائية وقلتها والتي من شأنها إن تعززت أن تحول دون تفاقم الأزمات. أما ما لا يمكن الاعتراض عليه هو الإطار القانوني الذي يدور فيه ذات النقاش وهو قيام مجلس الأمن بمهمته وانجازه لها وهو المكلف بالمسؤولية الرئيسة لحفظ السلم والأمن الدوليين.

على صعيد آخر نلاحظ وضعية أخرى مختلفة تماما وهي تلك الوضعية التي تتحرك فيها الدول دون ضوء أخضر صريح من مجلس الأمن، وفيها تأخذ الحدود الفاصلة بين الشرعية والمشروعية أبعادا غاية في الغموض بحيث يتعسف أعضاء مجلس الأمن في ممارسة مسؤولياتهم فتحول بذلك إلى امتيازات.

من المؤكد أن الإجماع داخل مجلس الأمن من أجل عمل تحت الفصل السابع من الميثاق لا يمكنه إلا أن يعزز المشروعية السياسية للقرار، مع العلم أن شرعيته هي مسألة أغلبية بسيطة، كما يجب تقبل أنه في الغالب هناك وضعيات عدم استعمال حق النقض         أو الامتناع، أو حتى التصويت الايجابي، تكون باهظة التكلفة داخل مجلس الأمن، فالأعضاء الدائمون يتمتعون بحصانه داخل المجلس، ولا توجد أية دولة يمكنها أن تعترض عمليا على عمل تقوم به روسيا أو الصين مثلا، بل يمكن لهذه الدول أن تعيق عمل المجلس ولو لم تكن لها مصلحة مباشرة في ذلك، فالصين مثلا بينت قدرتها على ذلك في يناير 1997 حين استعملت حق النقض لمنع عملية حفظ السلم في غواتيمالا بعد ما شهد هذا البلد 30 عاما من الحرب الأهلية، أو كما حدث في فبراير 1999 حين اعترضت الصين كذلك على تجديد قوة السلام الأممية في مقدونيا، ففي تقدير هذا العضو الدائم في مجلس الأمن أنّ مصلحته الوطنية تكتسي أهمية أكبر من الاستقرار الإقليمي في البلقان أو في أمريكا الوسطى.

على النقيض من ذلك فإن دعم روسيا للعمليات الإنسانية التي تقودها الدول الغربية في مناطق نفوذها و مصالحها- بدليل التوصيات السالفة الذكر- ليس ببعيد عن انشغال هذه الدولة بإمكانية إثارة هذه السابقات بدورها متى تعلق الأمر بتدخلات إنسانية يفي محيطها القريب، مع التذكير أنّ أزمة كوسوفو هي في جزء كبير منها نتاج التصور الروسي لتدخل في إحدى مناطق نفوذها التقليدية.

وعلى صعيد قانوني بحت فإن أزمة كوسوفو قد حضيت بتوصيات عديدة من مجلس الأمن ولكن التدخل العسكري للحلفاء كان دون تفويض أو ضوء أخضر صريح من مجلس الأمن، وأمّا الحجة القائلة بأنّ التوصيات الأخيرة لمجلس الأمن لاسيما التوصيتين 1199     و 1203 تعطيان تفويضا ضمنيا للحلف الأطلسي من المجلس، هي حجة واهية وهو افتراء على المجلس بدليل أن ما جاء في التوصية 1199 المؤرخة في 23/09/1998 لا يعطي تفويضا بالتدخل العسكري حيث جاء فيها ": فإنّ المجلس بموجب الفصل السابع من الميثاق يقرر، أنه في الحالة التي لم تتخذ فيها التدابير الملموسة المتطلبة في هذه التوصية أو في التوصية 1160، النظر في عمل لاحق أو النظر في تدابير إضافية، وذلك من أجل حفظ واسترجاع السلم والاستقرار في المنطقة".

وهو نفس الموقف الذي تكرر في التوصية 1203 القاضي بعدم التفويض لعمل عسكري، بل إن المجلس ودائما في إطار الفصل السابع يؤيد الترتيبات التي توصلت إليها اتفاقات هلبروك/ ميلوزيفيتش، ويقرر المجلس أنه لا يزال يختص بالمسألة، هذا ولم يساهم المجلس في المناقشات الدائرة حول أزمة كوسوفو إلى غاية إصداره التوصيتين 1239 المؤرخة في 14/05/1999، و1244 المؤرخة في 10/06/1999 التي أكد فيهما دعمه للمبادئ التي تؤسس لتسوية سياسية تم التوصل إليها داخل مجموعة الثمانية.

بعد ذلك لم يعر المجلس أي اهتمام لأزمة كوسوفو، كأن الدول الغربية كانت تتعمد تحاشي "فيتو" روسي، وبعد أن استقرت لها الأمور أشركت روسيا في محاولة إيجاد حل سياسي وبذلك استغل النفوذ الروسي مع بلغراد، وهو ما سوف يحفظ لروسيا بعضا من ماء الوجه.

وفي هذا الإطار جاءت التوصية 1244 لتغلق الأزمة مع يوغسلافيا وبذلك يرجع المسار القانوني في المجلس إلى وضعه الطبيعي ويمحى معه كل عداء بين الحلفاء والروس.

وإذا كانت الأزمة اليوغسلافية قد طويت، فإن النقاش القانوني لا يزال محتدما، هل العمل العسكري الذي قاده الحلف الأطلسي ضد يوغسلافيا بدون تفويض صريح أو ضمني من مجلس الأمن، موافق للقانون الدولي ؟.

بالنسبة للبعض يعتبر ذلك عملا منعزلا وهو الوحيد من نوعه، ويجب حظر أية حالة عود أخرى.

أما البعض الآخر فيرى فيه سابقة جاءت للتسريع في التطور الحاصل الذي يشهده القانون الدولي، إذ لم يعد فيه الحديث عن انتهاك لقاعدة قانونية قائمة، بل هو بادرة نشأة معيار قانوني جديد في القانون الدولي.

بالنسبة للموقف الفرنسي، فإن فرنسا في وضع عدم ارتياح فهي من جهة منشغلة بالحفاظ على مسؤوليات مجلس الأمن وعبر هذا الأخير تضمن ممارستها لتأثيرها كعضو دائم ومن جهة أخرى مفروضة عليها متطلبات دبلوماسية معنوية وأخلاقية تضع مسألة حقوق الإنسان في قلب العلاقات الدولية، وما يزيد الأمر تعقيدا أنّ يوغسلافيا تتهم عشرة دول من الحلف الأطلسي أمام محكمة العدل الدولية بارتكابها عمل عدوان ضدها وانتهاك هذه الدول لميثاق الأمم المتحدة، وهذا الجدل القانوني لن يعرف في الموضوع إلا بعد سنوات عديدة.

 

3- إنشاء المناطق الآمنة

تتمثل إحدى وسائل توفير الحماية للمدنيين الذين يتم استهدافهم عن قصد أثناء النزاعات المسلحة، وهذا بإنشاء الأماكن للحماية ومراقبتها، سواء بموافقة بعض أو كل الأطراف النزاع أو دونها.

ففي السنوات الأخيرة، قام مجلس الأمن بموافقة بعض أو كل المتحاربين بالتصريح بإقامة أماكن للحماية، لوقاية المدنيين من النزاعات المسلحة.

ومن الضروري هنا أن نميز بين المناطق الآمنة التي أنشأها مجلس الأمن وفقـًا لقواعد القانون الدولي الإنساني )أي اتفاقيات جنيف(وبين المناطق الجديدة التي أنشأها وسمح باستخدام القوة لحمايتها.

حيث أقام مجلس الأمن منطقة منزوعة السلاح على امتداد حدود العراق مع الكويت بالتشاور مع الدولتين ، وذلك بموجب القرار 687 الصادرة في 03 أفريل 1991.

أنشأ أيضا  مناطق "حظر الطيران" التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية في شمال وجنوب العراق، لهدف حماية  السكان الأكراد و الشيعة.

ومن بين المناطق الآمنة التي أنشأنها مجلس الأمن منطقة "سربرينتشا" و المناطق المحيطة بها حيث قد طرح مجلس الأمن لأول مرة مفهوم " المناطق  الآمنة " في منطقة  "سربرينتشا" و المناطق المحيطة بها ، بموجب القرار 819 لسنة 1993 ، وأيضا القرار 824 لسنة 1993، الذين تم إعتمادهما على أساس الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ، حيث يعتبر من خلالهما على أن سراييفو عاصمة البوسنة و الهرسك، ، سربرينتشا، وضواحيها ومدن أخرى يجب أن تعامل كمناطق آمنة  من طرف كافة الأطراف المعنية، وأن تكون خارج الهجومات المسلحة([20])، والسماح بنشر قوة الأمم المتحدة للحماية لضمان المساعدات الإنسانية.

كما فوض مجلس الأمن في قرار 836/1993 بموجب الفصل السابع، قوة الأمم المتحدة للحماية استعمال القوة لردع الهجمات ضد المناطق الآمنة، فهذه المبادرة من مجلس الأمن تهدف إلى تحسين حماية الأشخاص الذين لا يشاركون في النزاعات المسلحة.

أهم نقذ لهذه المناطق الآمنة : إن مجموع القرارات و الوسائل العسكرية لم تنجح في إجبار أطراف النزاع على احترام المناطق، فعندما سيطر جيش صرب البوسنة على مدينة "سربرينتشا" في يوليو 1995 ، نجا عدد كبير من السكان المدنيين ، إذ أعلن عن فقدان أكثر من سبعة آلاف شخص، حينها لم يلجأ جنود الأمم المتحدة اللذين كلفوا بحماية المنطقة الآمنة إلى القوة لحماية المدنيين ، كما سمح بذلك التفويض لهم ، و عليه فإن المناطق الآمنة تنطوي على عيب كبير حيث أنها أخفقت في حماية السكان.

وفي ماي 1994 وسع مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة من صلاحيات بعثة تقديم المساعدة التابعة للأمم المتحدة في رواندا([21])، التي  شكلها بموجب القرار رقم 912 (1994)  لمساعدتها في إقامة المناطق الإنسانية الآمنة و الحفاظ عليها ، كما أقر كذلك أن بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى رواندا قد يطلب إليها استعمال القوة لحماية السكان المعرضين للخطر والموظفين العاملين في  مجال المساعدات الإنسانية أو وسائل تقديم  وتوزيع الإغاثة الإنسانية.

من جانب آخر أنشأ مجلس الأمن مناطق آمنة لحماية المدنيين اللذين يتم استهدافهم عن قصد أثناء النزاعات المسلحة، وهذا بإنشاء أماكن الحماية ومراقبتها، سواء بموافقة بعض
أو كل أطراف النزاع أو دونه.

4-  لجان تقصي الحقائق ولجان التحقيق الدولية:

نتيجة للانتهاكات الصارخة للقوانين والأعراف الدّولية المتعلقة بحقوق الإنسان وما تمّ ارتكابه من جرائم دولية، شكل مجلس الأمن لجان تقصي حقائق ولجان تحقيق دولية وكثيرة نتناول منها  لجنة يوغسلافيا سابقـًا، رواندا ولبنان على سبيل المثال لا الحصر، ونبحث في الأساس القانوني الذي اعتمد عليه مجلس الأمن في إنشائها. 

  • لجنة التحقيق الدولية ليوغسلافيا سابقـًا:

      تشكلت هذه اللجنة عن طريق سكرتير عام الأمم المتّحدة، بناء على قرار مجلس الأمن رقم 780 الصادر في 06 أكتوبر1992([22])، فبعدما أشار مجلس الأمن في ديباجة القرار إلى واجب جميع الأطراف الامتثال إلى التزاماتهم بموجب القانون الدولي الإنساني، وأنّ الأفراد الذين يرتكبون انتهاكات خطيرة لاتفاقيات جنيف أو يأمرون بارتكابها يكونون مسؤولين شخصيا عن هذه الانتهاكات([23])، وعليه يطلب إلى الأمين العام أن ينشئ على وجه السرعة لجنة خبراء محايدة لدراسة وتحليل المعلومات المقدمة عملا بالقرار 771 الصادر سنة 1993  وغير ذلك من انتهاكات القانون الدولي الإنساني التي ارتكبت في إقليم يوغسلافيا سابقا([24]) حيث قامت اللجنة بتجميع 65000 صفحة من المستندات، وتصويـر أكثر من 300 ساعة من شرائط الفيديو المختلفة التي توضح الجرائم التي تعرض لها السكان في يوغسلافيا سابقا لاسيما في البوسنة والهرسك، وألحقت بالتقرير أكثر من 3300 صفحـة من التحليلات، حيث كشفت اللجنة عن عدّة جرائم دولية خطيرة مثل جرائم الاغتصاب الجماعي، وجرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي لعدد من السكان لاسيما المسلمين منهم، و قد بدا ذلك واضحا حين تمّ الكشف بواسطة أعضاء هذه اللّجنة عن عدد من المقابر الجماعية لضحايا جرائم الإبادة من المسلمين([25]).

      وقد حاول أعضاء هذه اللجنة إنجاز المهمّة الموكلة إليهم بنجاح، رغم العراقيل المختلفة التي تمّ وضعها عمدا في طريقها([26])، من بينها سعي مجلس الأمن والدول الأوروبية  والولايات المتحدّة الأمريكية على عمل تسوية سياسية في يوغسلافيا سابقا، على حساب العدالة الجنائية الدولية المتمثلّة في تقديم المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في يوغسلافيا سابقا إلى المحكمة الجنائية الدولية الخاصة.

  • لجنة التحقيق الدولية لروانــــدا:

      كان الوضع السيئ الذي عاشته رواندا في غضون عام 1994، والحرب الأهلية الضروس التي دارت وأودت بحياة الملايين من الشعب الرواندي، وراء قرار مجلس الأمن الدولي رقم 935 لعام 1994 الخاص بإنشاء لجنة الخبراء للتحقيق في الانتهاكات الخطيرة والجسمية للقانون الدولي الإنساني([27])، بما في ذلك جرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبت أثناء الحرب الأهلية في رواندا([28])،فبعدما أشار مجلس الأمن إلى بيان رئيسه المؤرخ في 30 أفريل 1994 الذي أدان فيه جميع انتهاكات القانون الدولي الإنساني  فـي روانـدا، لاسيما تلك التي ترتكب ضد السكان المدنيين، وذكر بأنّ الأشخاص الذين يحرضون على هذه الأعمال أو يشاركون فيها يتحملون مسؤوليتها بصورة فردية([29]) ، وعليه يطلب إلي الأمين العام أن ينشئ على وجه الاستعجال لجنة خبراء محايدة لبحث وتحليل المعلومات المقدمة عملا بهذا القرار إلى جانب المعلومات الأخرى التي قد تتحصل عليها لجنة الخبراء من خلال تحقيقاتها الخاصة أو جهود أشخاص آخريـن أو هيئات أخرى، بما في ذلك المعلومات التي يقدمها المقرر الخاص لرواندا، هذا وقد حدّد القرار مدّة عمل اللجنة و جعلها أربعة أشهر فقط، على أنّ يبلغ أعضاؤها سكرتير عام الأمم المتّحدة، ما توصلوا إليه من أحــداث و مستندات ونتائج خاصة بموضوع قرار مجلس الأمن رقم 935 لعـــام 1994([30])يبدو أنّ هذه المدة لم تكن كافية لتنجز اللجنة المهام الثقيلة المسندة إليها، كما قد سعى مجلس الأمن جاهدا لإنجاح عمل هذه اللجنة من خلال تحديد مهامها بمسائل معينة، ودون التحقيق في أي ادعاءات أخرى وبعد ثلاثة أشهر من عمل اللجنة قدمت في 4 أكتوبر 1994 تقريرها المبدئي إلى السكرتير العام للأمم المتحدة([31])، ثم قدمت تقريرها النهائي إلى مجلس الأمن في 09/12/1994، وهما التقريران اللذان اعتمد عليها مجلس الأمن في تقريره الخاص بإنشاء محكمة رواندا، ممّا جاء في تقرير هذه اللجنة أنّها تقر بوجود أدلة قاطعة، تؤكد على ارتكاب أعمال إبادة من طرف "الهوتو" على قبيلة "التوتسي"، بطريقة متعمدة، مخططة، منظمة و ممنهجة"([32])، لكن ما كان يطغى على التقريرين عدم الدقة، ربّما يرجع ذلك إلى ضيق الوقت الذي منحه لها مجلس الأمن لإعداد تقريرها، فقد اعتمدت هذه اللجنة على تقارير الصحف ووسائل الإعلام.

ج- لجنة التحقيق الدولية لدارفور:

     أنشأ مجلس الأمن لجنة تحقيق دولية للوقـــوف على حقيقة الأوضاع في إقليم دارفور، والتأكد من وقوع أعمال إبادة جماعيـــة في الإقليـم من عدمه، إذ جاء تشكيل هذه اللّجنة بموجب قراره رقم 1564 بتاريخ 18 سبتمبر 2004، حيث جاء في الفقرة 12 من القرار أنّ مجلس الأمن يطلب إلى الأمين العام، أن يقوم على وجه السّرعة بإنشاء لجنة تحقيق دولية تضطلع فورا بالتحقيق في التقارير المتعلقة بانتهاكات القانون الدولي الإنساني و قانون حقوق الإنسان، التي ترتكبها جميع الأطراف في دارفور و لتحديد أيضا ما إذا وقعت أعمال إبادة جماعية، و تحديد هويّة مرتكبي تلك الانتهاكات لكفالة محاسبة المسؤولين عنها ويطلب كذلك من الأمين العام أن يتخذ الخطوات المناسبة لزيادة عدد مراقبي حقوق الإنسان الموفدين إلى دارفور، و ذلك بالتعاون مع مفوضية حقوق الإنسان([33])، وفعلا قام الأمين العام بتشكيل هذه اللجنة([34]).

      كما وافقت الحكومة السودانية على هذه اللجنة، و بالفعل باشرت اللجنة أعمالها في 25 أكتوبر 2004، وقد حدّدت لها ثلاثة أشهر لتقديم تقريرها، وساعد اللجنة في مهامها خبراء قانونيون ومحققون دوليون، خبراء في الطب الشرعي إلى جانب خبراء عسكريين.

     إذ أنيط لهذه اللجنة مهمّة التحقق من وجود إبادة جماعية وتطهير عرقي، وكذلك فحص جميع الاتهامات والتقارير، سواء كانت من حكومات أو منظمــات أم أفراد، لمعرفة الحقيقة بالنسبة للجرائم.

     وقد أحالت اللجنة تقريرها النهائي إلى الأمين العام للأمم المتّحدة، الذي أحال بدوره هذا التقرير إلى مجلس الأمن بتاريخ 31 جانفي 2005([35])، حيث توصلت إلى إثبات أنّ حكومة السودان و ميليشيات "الجنجويد" مسؤولان عن جرائم تقع تحت طائلة القانون الدولي، ووجدت اللجنة أنّ الهجمات على القرى وقتل المدنيين و الاغتصاب والسلب والتشريد القسري، كانت مستمرة، حـتّى و هي تجري تحقيقاتها، كما وجدت اللجنة دلائل موثوقة تشير بأنّ القوات المتمردة مسؤولة هي أيضا عن انتهاكات خطيرة قد تصل إلى جرائم الحرب، بما في ذلك قتل المدنييـن وسلب ممتلكاتهم.

     وأضاف التقرير بأنّ الجرائم ضدّ الإنسانية وجرائم الحرب التي ارتكبت في دارفور، قد لا تقلّ خطورة وبشاعة عن الإبادة الجماعيـة([36]).

     في النهاية أوصت اللجنة بضرورة تسليم الملف إلى مدّع عام مختص، وأوصت بأن يحيل مجلس الأمن على جناح السّرعة، الوضع في دارفور إلى المحكمة الجنائية الدوليــة([37])، وهو ما تمّ فعلا، إذ أصدر مجلس الأمن الدولي القرار رقم 1593 بتاريخ 31 مارس 2005، الذي أحـال فيه الوضع في دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية.

د- لجنة التحقيق الدولية للبنان :

إن مجلس الأمن، وعلى اثر اغتيال رئيس مجلس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري بتاريخ 14/02/2005، اصدر بياناً أدان بموجبه هذا العمل الذي وصفه بالإرهابي كما أعرب عن قلقه على مسار الديمقراطية في لبنان مع احتمال المزيد من زعزعة الاستقرار. وعلى إثر ذلك، فوض مجلس الأمن الأمين العام للأمم المتحدة إرسال بعثة تقصي الحقائق إلى لبنان، و أنيط بهذه اللجنة صلاحيات تمكنها من تقصي المعلومات وجمع المعالم المادية من مسرح الجريمة والقيام بالدراسات التكنولوجية والتحاليل البيولوجية، و تتمتع بسلطة مستقلة خلال ممارستها لنشاطاتها. إلا أنها تبقى ملزمة بالحصول على إذن من السلطات اللبنانية لدخول موقع الجريمة ومعاينته وجمع العيّنات منه وتحليلها.

حيث أعلن هذا الأخير بتاريخ 18/2/2005 عن إرسال بعثة تقصي حقائق إلى لبنان تحت رئاسة السيد "فيدجيرلد" للتحقيق على الفور في الأسباب والظروف ونتائج هذا العمل الإرهابي بعد وصول البعثة إلى بيروت التقت عدداً كبيراً من المسؤولين اللبنانيين، كما اطلعت على التحقيق اللبناني والإجراءات القانونية التي كانت قد اتخذت، وعاينت مسرح الجريمة والأدلة التي كانت قد جمعتها السلطات اللبنانية المختصة وحللت بعض العينات منها وأجرت مقابلات مع بعض الشهود.

بتاريخ 25 مارس 2005 رفعت بعثة تقصي الحقائق تقريرها إلى مجلس الأمن، الذي تضمن العديد من التوصيات و التي كانت بدون شك غير ملزمة للسلطات اللبنانية، إلا أنها شكلت المرجع الأساسي الذي قد يعوّل عليه مجلس الأمن الدولي للقول بضرورة أو عدم ضرورة إنشاء لجنة تحقيق دولية مستقلة لمساعدة السلطات اللبنانية في تحقيقها وكشف الحقيقة.

بناء على توصيات لجنة تقصي الحقائق، و بعد إعلان الحكومة اللبنانية في رسالة مؤرخة في 29/3/2005 عن موافقتها على إيفاد لجنة تحقيق دولية لمساعدتها في تحقيقها القضائي، وعن استعدادها للتعاون مع اللجنة ضمن نطاق السيادة اللبنانية والنظام القضائي اللبناني، سيما وأن الأعمال الإرهابية استمرت تفتك بالبلاد، أصدر مجلس الأمن قراره رقم 1595 بتاريخ 7/4/2005 منشئاً لجنة التحقيق الدولية المستقلة حيث أن قرار مجلس الأمن هذا جاء وليد سلطته الحصرية لتحديد وجود تهديد أو خرق للسلم أو عمل اعتداء على الأمن ولتقرير التدابير التي يجب اتخاذها للمحافظة أو لاستعادة إرساء السلم والأمن الدوليين وفقاً لأحكام المادة 39 من ميثاق الأمم المتحدة.

هذا القرار الذي أنشا لجنة تحقيق دولية مستقلة للتحقيقوتطبيق القانون في شأن الأعمال الجرمية التي رافقت اغتيال الرئيس الحريري وآخرين، قصد مساعدة السلطات اللبنانية في تحقيقها في جميع نواحي هذا العمل الإرهابي بهدف المساعدة في تحديد المرتكبين والداعمين والمنظمين والمتواطئين، وفي 16/6/2005 بدء عمل لجنة التحقيق الدولية المستقلة.

إن قرار إنشاء لجنة التحقيق الدولية المستقلة، وإن كان ليس بقرار جديد تصدره الأمم المتحدة كونها أنشأت بالسابق لجاناً مماثلة في قضايا أخرى مثل يوغوسلافيا ورواندا وبوروندي، إلا أن اللجنة التي انشئت من أجل مساعدة السلطات اللبنانية تختلف عن ما سبقها من لجان نظراً لتكوينها وشمولية صلاحياتها وطول فترة عملها وتعددية أفرادها وتشعب نطاق عملها، تبقى السلطات اللبنانية ملزمة بمضمون قرار مجلس الأمن رقم 1595، لاسيما لجهة السلطة الواسعة المعطاة لهذه اللجنة التي وإن تكن مقيدة بتطبيق المبادئ الأساسية للقانون الدولي خلال ممارستها لمهامها على الأراضي اللبنانية بالنسبة لالتزامها بتطبيق القوانين اللبنانية، فإنه لا بد لها من العودة إلى بنود مذكرة التفاهم، لا سيما في ما يتعلق بإجراءات التطبيق، و بالرجوع إلى القرار رقم 1595 فإن أول ما يلفت الانتباه أن مجلس الأمن وصف الجريمة بالعمل الإرهابي و بهذا يكون المجلس قد أعطى للجنة التحقيق الدولية سلطاناً واسعاً في إجراء التحقيق في جميع جوانب هذا العمل الإرهابي، كما أعطى المجلس توجيهاته إلى اللجنة بتحديد الإجراءات المتعلقة بسير تحقيقها مع مراعاة القانون اللبناني والإجراءات القضائية اللبنانية. و طلب من جميع الدول والأطراف التعاون مع اللجنة وتزويدها بأية معلومات ذات صلة قد تكون في حوزتها تتعلق بالعمل الإرهابي.

        والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: ما هو الأساس القانوني الذي اعتمد عليه مجلس الأمن لإنشاء هذه لجان تقصي الحقائق و لجان التحقيق الدولية؟، والإجابة على هذا التساؤل تكمن في البحث في مسألة مدى شرعية مبادرة مجلسالأمن في إنشاء هذه اللجان.

إنّ تحليل القرارات التي عن طريقهما مجلس الأمن طلب من الأمين العام تشكيل على "وجه السرعة، لجنة محايدة من خبراء"، لا يسمح لنا الاستنباط بطريقة مؤكدة الأساس القانوني لإنشاء هذه اللجـان، بالمقابل يمكننا إثبات أنّ مجلس الأمن لم يعتمد على الفصل السابع لإنشاء هذه اللجان، غير أنه دائما يرجع إليه بطريقة مستعجلة، عند استعماله كأساس قانـوني لتشكيل هيئـات أخـرى ، أيضا فإن القول بأن هذه القرارات أنشئت استنادا إلى الفصـل السابع من الميثاق ، لا يكفي لكي نخلص بأنّ هذه اللجان أنشأت على أساس هذا الفصل، لذا يبدو أنه من المهم البحث عن أي أساس قانوني اعتمد عليه مجلس الأمن لتشكيل هذه اللجان.

      هذه الإشكالية تقودنا إلى التفكير بأنّ المادّة 34 من ميثاق الأمم المتحدة يمكــن أن تكون أساس قانوني لإنشاء هذه اللجان من طرف مجلس الأمن، هنا يجب أن نشير بالنفي، لأنّ مجلس الأمن لم يرد تأسيس هذه القرارات، تحت إطار المـادة 34 من الميثاق([38])، صحيح أنّ هذه المـــادة تعطــي لمجلس الأمن سلطـة خاصة في التحقيق، حيث تنص على مايلي: "لمجلس الأمن أن يفحص أي نـزاع أو أي موقف قد يؤدي إلى احتكاك دولي، أو قد يثير نزاعا لكي يقرر ما إذا كان استمرار هذا النزاع أو الموقف من شأنه أن يعرض للخطر حفظ السلم و الأمن الدوليين" ، إلاّ أنّ الموقف الذي أدّى بالمجلس لإنشاء هذه اللجان لا يتوافق مع التعريف الذي تضمنته المادة 34 من الميثاق، لأن النزاع موجود أصلا و لا يشكّل تهديدا للسلم والأمن الدوليين، و لكن يشكل إخلالا بالسلم، لذا يبدو من المحبّذ البحث عن الأساس القانوني لهذه القرارات في المادتين 24 و 29 من ميثاق الأمم المتّحدة، فالفقرة الأولى من المادة 24 تعهـد إلى مجلس الأمن "بالمسؤولية الرئيسية في حفظ السلم و الأمن الدوليين"     و المادة 29 من الميثاق و التي تعطي لمجلس الأمن السلطة في أن ينشئ من الفـروع الثانوية ما يـرى له ضــرورة لأداء وظائفــه، من ثم نخلص أنّ مجلس الأمن أنشأ هذه اللجان بالرجوع لسلطته العامة في حفـظ السلم و الأمن الدوليين على أسـاس المادتين 24  و 29 من الميثاق.

من جهة أخرى فإنّه يمكننا أن نرجع هنا إلى نظرية "السّلطات الضمنية" لمجلس الأمن المكرّسة من طرف محكمة العدل الدولية([39])، هذه النظرية مفادها أنّ "السلطات الضمنية هي التي تكون ضرورية للتكملة الفعلية للسلطات المعدّدة في الفصل السـادس أو السابع"، قياسا على ذلك يقر مجلس الأمن بأنّ الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني تهدّد السلم       و الأمن الدوليين، حيث نستطيع أن نستنبط من ذلك أنّه من منظور عقوبة جنائية أو ردع  فإنّ إنشاء لجان تحقيق ضـروري لتحقيق الأهداف المـحدّدة في الفصل السابع([40])، هذه النظرية تعتبر كوسيلة من وسائل التفسير الموسّع التي يمكن لمجلس الأمن إعتمادها في تفسير مهامه بقصد منح مصداقية وفعالية لهذه المهام([41]).

5- الإحالة على المحكمة الجنائية الدولية:

     إن لمجلس الأمن الدولي سلطة إحالـة قضية ما أمام المحكمة الجنائية الدولية بمقتضى النظام الأساسي لهذه الأخيرة([42])، وإستنادًا لهذه السلطة أحال مجلس الأمن قضية دارفور على المحكمة الجنائية الدولية، والتي تعتبر الأولى من نوعها التي تواجهها المحكمة الجنائية الدولية.

     استنادا إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1593 الصادر بتاريخ 24/03/2004  القاضي بإحالـة قضية دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية، إزاء عدم احترام أطراف النزاع في دارفور لاتفاقات وقف إطلاق النار ووضع حدّ لانتهاكات حقوق الإنسان و القانون الدولي الإنساني المرتكبة في الإقليم، طبقـًا للفصل السابع من الميثاق، وقد كان لتقرير لجنة التحقيق الدولية أثره البالــغ في صدور هذا القرار.

     والسؤال الذي يطرح نفسه بحدة: ما هو الأساس القانوني الذي اعتمد عليه مجلس الأمنلإحالة قضية دارفور على المحكمة الجنائية الدولية؟، و عليه نتناول مدى شرعية هذه الإحالة التي قام بها مجلس الأمن.

     إذا كان مجلس الأمن الدولي في استخدامه لسلطته بالإحالـة الممنوحـــة له بموجب النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، لا يثير مسألة اختصاص المحكمــة في نظر القضايا المحالة إليها إذا كان أحد أطرافها دولة طرف في النظام الأساسي للمحكمة، فإنّ ما يثير التساؤل هو تلك الحالة التي يكون فيها أحد أطراف القضية – أي الجهة المدعى عليها- دولة ليست طرفا في النظام الأساسي لهذه المحكمــة، وإن كانت هذه الدولة عضوا في منظمة الأمم المتّحدة، و هو ما ينطبق على حالة السودان فيما يتعلق بقرار مجلس الأمن رقم 1593.

ففي هذه الحالة المادة (13/ ب) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، تختص بإحالة مجلس الأمن الدولي لقضية ما أحد أطرافها أو جميعهم دول أطراف في النظام الأساسي لهذه المحكمة أو قبلت اختصاص المحكمة، إضافة إلى ذلك فإنّ مجلس الأمن الدولي، وفقا لنصّ المادة المذكورة يختص بإحالة أيّ قضية بشأن مرتكبي جرائم دولية إلى المحكمة وفقا لنص المادة (5) من نظامها الأساسي، بصرف النظر عمّا إذا كانت الدولة التي ينتمي إليها مرتكبي تلك الجرائم طرفا في النظام الأساسي أم غير ذلك، حتىّ لا يفلت مجرمو الحروب من العقاب عن طريق امتناع دولهم عـن التصديــق على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية    و هو ما ينطبق تماما على قرار مجلس الأمن رقم 1593 الذي صدر بحق متهمين بارتكاب جرائم دولية تابعين لدولة غير طرف في النظام الأساسي للمحكمة و هي السودان، ممّا تجدر ملاحظته في هذا الشأن، أنـّه و على الرغم من أممية قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1593 لوضع حدّ لتلك الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني و لقانون حقوق الإنسان المرتكبة في إقليم دارفــور، إلاّ أنّ أهم ما يؤخذ على هذا القرار هو الانتقائية، و تدخل الفقرة السادسة منه التي تتيح الفرصة لإفلات المجرمين غير السودانيين من المحاكمة، حتىّ لو كانوا من المساهميـن في تلك الفظائع([43])، و لقد اعترض السودان على هذا القرار، و أعرب عن استنكاره له ووصفه بأنّه غير عادل و غير حكيم و ينّم عن ضيق أفق، و أعلن أنّه يرفض التفكيــر في تسليم أي مواطنين إلى المحكمة في الخارج([44])، مع العلم أنّ مجلس الأمن استند في قراره إلى تقرير اللجنة الدولية لتقصي الحقائق، التي أكدّت عدم قدرة النظام القضائي السوداني أو عدم رغبته في معاقبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة في دارفور.

     قبلت المحكمة الجنائية الدولية بقرار الإحالة (1593) و أعلن رئيس الإدعاء في المحكمة الجنائية الدولية يوم الاثنين 06 جوان 2005، بدء تحقيق رسمي هو الأكبر من نوعه في جرائم حرب يشتبه أنّها ارتكبت في إقليم دارفور بغرب السودان، و أفاد بيان المحكمة أنّ التحقيق يستند إلى آلاف من الوثائق التي تلقتها المحكمة، و إلى مقابلات مع ما يزيد عن خمسون خبيرا مستقلا.

     و بناء على نتائج التحقيق رأت هيئة الادعاء للمحكمة أن قادة ميليشيا "الجنجويد"        وبعض المسؤولين السودانيين مسؤولين عن الجرائم التي حصلت في دارفور، و وجّهت إليهم الاتهام رسميا بارتكاب جرائم حرب و جرائم ضدّ الإنسانية، وفقا للنظام الأساسي للمحكمة ويدعو حكومة الخرطوم إلى تسليمهم للمحاكمة.

غير أن حكومة السودان أكدّت أن القضاء السوداني وحده هو المختص لمحاكمة مواطنيه مسقطة أيّ اختصاص للمحكمة الجنائية الدولية على الأراضي السودانية([45]).

     من خلال دراستنا لقضية دارفور يبدو لنا للوهلة الأولى، أنّ مجلس الأمن تدخل بقـوة واستعمل سلطته بالإحالة المخولة له بموجب النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، قصد ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب في دارفور، فدوره هنا فرض احترام القانون الدولي الإنساني  من خلال تكريسه مبدأ المسؤولية الجناية الدولية للأفراد عن انتهاكاته ، ومنه إرساءه لعدالة جنائية دولية عادلة تقوم على مكافحة الإفلات من العقاب مهما كان الفرد الذي يرتكبها.

و قد رافق ذلك تقدم الولايات المتحدة بمشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي يطالب بإجراء تحقيق شامل – دون أي قيد- في ما أسماه الانتهاكات لحقوق الإنسان و القانون الدولي التي حدثت في دارفور.

     هنا يظهر لنا الوجه الآخر للأزمة الإنسانية في دارفور التي استغلت أشدّ استغلال من طرف الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي اللّتين اتخذتا من شعار انتهاكات القانون الدولي الإنساني سببا للتدخل في دارفور، والقصد من ذلك هو الطمع في ثروات دارفور و تفتيت السودان  وما إحالة الوضع إلى المحكمة الجنائية إلاّ خطوة في طريقهما إلى ذلك.

     أيضا هناك سؤال آخر يطرح نفسه بالنسبة لجرائم الاحتلال الإسرائيلي في دولة فلسطين لماذا لا يحيل مجلس الأمن المجرمين الإسرائيليين أمام المحكمة الجنائية الدولية؟ هنا أيضا ستكون الإجابة بحق الفيتو الذي ستستخدمه أمريكا ضدّ صدور أي قرار من هذا النوع ولو كان يهدف إلى إدانة تلك الانتهاكات والممارسة الدولية تثبت ذلك.

     هذا يعني أن سلطة مجلس الأمن بالإحالة للمحكمة هو رهن المصالح السياسية للدول التي تشكله و بالخصوص الولايات المتحدّة، التي تستغل الاعتبارات الإنسانية حسب مصالحها السياسية، فانتهاكات القانون الدولي الإنساني أصبحت الورقة الرابحة للولايات المتحدة الأمريكية لإصدار قرارات التدخل من مجلس الأمن الدولي تحت مظلة الفصل السابع.

6- إنشاء المحاكم الجنائية الدولية الخاصة والمحاكم الوطنية المدوّلة:

        إن من أبرز صلاحيات مجلس الأمن في الحفاظ على السلم والأمن الدوليين، الحق في إنشاء المحاكم الجنائية الخاصة والمحاكم الجنائية الوطنية المدوّلة، والتي يمكن من خلال دراستها تحديد إلى أي مدى التزم مجلس الأمن بالقانون الدولي وبوظيفته الأساسية التي من أجلها وجد، وهي حفظ السلم والأمن الدوليين، إذ أن العدالة هي مبرر وجود المحاكم الجنائية والسلم العالمي مبرر وجود مجلس الأمن الدولي.

        ونظرا لأهمية هذا الدور الذي يطلع به مجلس الأمن في تحقيق أهدافه عن طريق الإجراءات الرامية إلى معاقبة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجرائم الإبادة والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وإعادة السلم إلى نصابه، نخصص له المحور الموالي.

المحور الثاني:

إنشاء المحاكم الجنائية الدولية الخاصة والمحاكم الوطنية المدوّلة

 شهدت حقبة التسعينات إنشاء محاكم خاصة ذات طابع دولي صرف تتعلق بمحاكمة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والتي تمثلت أساسا في محكمة يوغوسلافيا سابقا التي أنشئت سنة 1993لمتابعة المتسببين في الانتهاكات الصارخة للقوانين والأعراف الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، وما تم ارتكابه من جرائم دولية، وكذلك محكمة رواندا التي أنشئت سنة 1994 من أجل محاكمة ومعاقبة الأشخاص المسؤولين عن ارتكاب جرائم الإبادة الجماعية والانتهاكات الجسيمة لقواعد القانون الدولي وحقوق الإنسان.

غير أنه ونظرا للانتقادات التي وجهت إلى هذه المحاكم لاسيما مسألة شرعيتها ومدى أحقية مجلس الأمن في إنشائها، برز توجه جديد داخل مجلس الأمن يقضي بإنشاء محاكم جنائية مدولة، وهو ما تحقق بداية من سنة 2000، حيث تعتبر هذه المرحلة الجديدة مرحلة مفصلية تم فيها إشراك القضاء الوطني في المتابعات المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان والجرائم الدولية الأخرى.

وبالفعل أنشأت الغرف الجنائية المتخصصة في تيمور الشرقية سنة 2000، المحكمة الجنائية الخاصة بسيراليون 2002، وأخيرا المحكمة الخاصة بلبنان 2007

 أولاً: دور مجلس الأمن في إنشاء المحاكم الجنائية الدولية الخاصة أو المؤقتة وأساسه القانوني

إذا كان مجلس الأمن يتمتّع بصلاحية استعمال القوّة لوقف الحروب، فإنه من الطبيعي أن يكون باستطاعته اتخاذ إجراءات قانونية لمحاكمة المسؤولين عن تلك الحروب، وما يرتكب خلالها من جرائم، وذلك بهدف معاقبة الفاعلين وردع من تسوّل له نفسه الإخلال بالسلم العالمي مستقبلاً.

ولقد كان لمجلس الأمن العديد من الأدوار في مجال حماية حقوق الإنسان ومعاقبة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة وجرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان باتخاذه لمجموعة من الإجراءات المختلفة، والتي يستند فيها إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

وعليه نتطرق إلى المحاكم الجنائية الدولية الخاصة أو المؤقتة التي أنشأها مجلس الأمن في فترة التسعينات وهي المحكمة الجنائية الدولية الخاصة المؤقتة ليوغسلافيا سابقا والمحكمة الجنائية الدولية لرواندا، ثم الأساس القانوني لإنشائها من طرف مجلس الأمن.

  • المحاكم الجنائية الدولية الخاصة أو المؤقتة

بعد إنشاء محاكم خاصة عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية لمحاكمة مجرمي الحرب من دول الحلفاء المهزومة في الحرب، انتظر مجلس الأمن عدة عقود لإنشاء محاكم خاصة حيث شكلت المجازر والجرائم التي ارتكبت خلال حروب داخلية في أماكن عديدة من العالم خلال العقود الثلاثة الماضية ومهّدت وربما سرعت في تبني اتفاقية روما التي هي بمثابة القانون التأسيسي لمحكمة الجنايات الدولية.

في الواقع، لقد مهّد مجلس الأمن لقراراته في إنشاء المحاكم الجنائية الدولية بشأن يوغسلافيا سابقاً ورواندا، بقرارات عدّة تؤكّد على الإخلال بالسلم العالمي من خلال الأعمال الحربية والجرائم التي كان ارتكابها يهزّ المجتمع الدولي، وقد اتخذ قرارات عدّة بهدف وقف القتال واحترام قوانين الحرب والقوانين الإنسانية قبل إقامة المحاكم.

لم يكن هناك أدنى شك بأنّ الحرب الأهلية والمجازر التي ارتكبت في كل من يوغوسلافيا سابقاً ورواندا، كانت تشكّل تهديداً للسلم العالمي،  كما كانت تثير غضب المجتمع الدولي على الصعيد الرسمي والشعبي. كلّ ذلك كان يبرر لمجلس الأمن اللجوء إلى الفصل السابع من الميثاق لإصدار قراراته بإنشاء محاكم جنائية دولية في الحالتين كلتيهما.

إن النموذج القانوني الذي لجأ إليه مجلس الأمن ليقيم محاكم يوغسلافيا سابقـا ورواندا هو قرار منفرد لمجلس الأمن، اتّخذ بموجب الفصل السابع من الميثاق، الذي يعطي قرارات المجلس والإجراءات التي يتخذها قوّة إلزامية خاصة بالنسبة لكافة الدول الأعضاء، وذلك لأنّ الغاية من هذه الإجراءات هي علاج تهديد حالّ أو إخلال وقع بالسلم العالمي.

نظراً للجرائم المروّعة التي ارتكبت خلال حروب التفكك والانفصال لما كان يعرف بيوغسلافيا سابقاً، والحروب القبلية في رواندا، واستجابة للضغوط الدولية والشعبية، وخاصة من قبل منظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان لوقف المجازر ومعاقبة المسؤولين عنها، قام مجلس الأمن بإنشاء المحكمة الجنائية الدولية من أجل يوغوسلافيا سابقاً  في جانفي 1993 وإنشاء محكمة الجنايات الدولية من أجل رواندا  في نوفمبر 1994، حيث اتخذت هاتان المحكمتان قرارات وأصدرت أحكامـًا هامة، وهو ما سنتطرق إليه تباعا.

 

  • المحكمة الجنائية الدولية الخاصة المؤقتة ليوغسلافيا سابقا :

إن عدم التناسب بين الصرب الذين يدعمهم الجيش الصربي و بين الكروات والمسلمين غير المجهزين بالأسلحة أدى إلى ارتكاب الصرب أفعال خطيرة تعتبر من الجرائم الدولية وعلى وجه الخصوص جرائم الحرب التي لا تقل فضاعة عن تلك التي حصلت أثناء الحرب العالمية الثانية فتعالت الأصوات المنددة عالمـيًا والتي تطالب بتجريم و ضرورة ملاحقة مرتكبي هذه الجرائم، الأمر الذي دفع مجلس الأمن إلى إنشاء محكمة للنظر في الأفعال و الجرائم التي وقعت في يوغسلافيا سابقا([46]).

بالنظر إلى جميع قراراته السابقة و إلى تقرير لجنة التحقيق الدولية ، هذه الأخيرة التي تشكلت عن طريق سكرتير عام الأمم المتحدة بناءا على قرار مجلس الأمن رقم 780 الصادر في أكتوبر 1992، للتحقيق في الانتهاكات الصارخة للقوانين والأعراف الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، وما تم ارتكابه من جرائم دولية.

وبناء على تقرير هذه اللجنة الدولية التي تشير إلى وقوع  انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني على إقليم يوغسلافيا سابقا، و بناءا على مبادرة فرنسية أصدر مجلس الأمن الدولي القرار رقم 808 في 12 فيفري 1993 ، الذي أنشأ بموجبه محكمة دولية لمحاكمة الأشخاص المسؤولين عن اقتراف انتهاكات وخروقات جسيمة للقانون الدولي الإنساني على إقليم الجمهورية الاتحادية اليوغسلافية سابقا من 01/01/1991 لاسيما ما يتعلق بممارسات التطهير العرقي في البوسنة و الهرسك ، بعدما اعتبر مجلس الأمن أن هذه الحالة تشكل تهديدا للسلم و الأمن الدوليين، و تقتصر صلاحية المحكمة على محاكمة الأشخاص الطبيعيين و ذلك لأن الدولة ليست مسؤولة جزائيـًا، فالمسؤولية الجزائية هي مسؤولية فردية حيث قرر أنه في ظل الظروف الخاصة  في  يوغسلافيا سابقا ، فإن تأسيس المحكمة الدولية يهدف إلى تحقيق إعادة  السلم و الأمن إلى نصابه.

وعلى إثر ذلك أصدر مجلس الأمن القرار رقم 827 بإنشاء المحكمة بموجب الفصل السابع ، وأقر مشروع الأمين العام بدون تعديل ، من تم اكتسبت المحكمة وجودها القانوني في 25/05/1993 بمقرها في لاهاي وأطلق عليها اسم " المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا سابقا".

ويعد النظام الأساسي للمحكمة الدولية ليوغسلافيا سابقا تطبيقا فعليا لقواعد الحماية في مجال القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، نظرا لما تضمنته من أحكام خصوصا في مجال اختصاصها.

هذا وقد بدأت المحكمة عملها بأربعة عشر قاضيـًا، و قد ارتفع العدد إلى سبعة وعشرون قاضيـًا بموجب التعديل الذي أجراه مجلس الأمن على نظامها الأساسي بموجب قراراه رقم 1329 الصادر سنة 2000.

تتكون المحكمة من هيئات ابتدائية وهيئات استئناف، ينتخب قضاتها لمدة 04 سنوات من جانب الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأحكام المحكمة تقبل الاستئناف شريطة أن يكون الحكم الصادر عن الدرجة الأولى مشوب بخطأ في تطبيق القانون أو خطأ في الوقائع بشأنه أن يخل بالعدالة.

تلتزم جميع الدول بالامتثال إلى طلبات المحكمة وقراراتها وأحكامها لكونها منشأة بموجب قرار مجلس الأمن المستند لأحكام الفصل السابع من الميثاق، فإن امتنعت دولة      أو أكثر عن الامتثال يكون لرئيس المحكمة الحق في رفع الأمر إلى مجلس الأمن ليتخذ ما يراه مناسبـًا من الإجراءات. 

وأثناء النظر في إنشاء المحكمة الخاصة بيوغسلافيا سابقاً، قام نقاش حول صلاحية مجلس الأمن في إنشاء مثل هذه المحكمة خاصة وأنه لا نص في الميثاق على مثل هذه الصلاحية. ولقد كان الرأي الغالب بالنسبة للأساس القانوني لصلاحية مجلس الأمن في أنّ فظاعة الجرائم التي ارتكبت وانعكاساتها على الرأي العام العالمي تشكل بحدّ ذاتها تهديداً للسلم والأمن الدولي، وأنّ الميثاق يعطي مجلس الأمن سلطات واسعة لاتخاذ الإجراءات الكفيلة بحفظ السلم والأمن الدولي، دون أن ننسى أن المحكمة قد أصدرت أحكامـًا عديدة بدون شك ساهمت في تطوير القانون الجنائي الدولي و في توفير حماية فعالة لحقوق الإنسان إذا ما تم خرقها بصورة جسيمة.

  • إنشاء المحكمة الجنائية الدولية لرواندا:

أدت الحرب في رواندا إلى العديد من الخسائر البشرية والمادية بحيث أبيدت الكوادر البشرية أو كان مصيرها المنفى، هدم للعمران بفعل احتدام المعارك، نهب للمقرات وما صاحبها من إحراق للملفات وإتلاف للوثائق...، وفي ظل هذه الظروف المزرية اتخذت مبادرة محاكمة من ارتكبوا جرائم الإبادة الجماعية، وعليه كان لزاما إعادة بناء النظام القضائي والنهوض بمرفق العدالة الوطنية حتى يعاد الاعتبار لضحايا المأساة الرواندية ومحاكمة المتسببين فيها وأن تعطى الكلمة الفصل للقانون والقضاء.

وترجع الأزمة الرواندية إلى النزاع المسلح الذي نشب بين القوات الحكومية ومليشيات الجبهة الوطنية الرواندية نتيجة عدم قبول مشاركة كل القبائل في نظام الحكم وبصفة خاصة قبيلة " التوتسي " حيث كان الحكم في يد قبيلة " الهوتو " و بشكل أدق فإن جذور النزاع تعود للاحتلال الاستعماري الغربي لهذا البلد الإفريقي منذ أواخر القرن 19 حيث استطاع هذا الاحتلال أن يكرس حكما مباشرًا عبر انتهاجه لمبدأ "  فرق تسد "، و قد إجتهدت الدول الإفريقية لحل النزاع و توصلت إلى إتفاق بتنزانيا عام 1993 تم بموجبه وقف الأعمال واقتسام السلطة بين قبيلتي "الهوتو" و "التوتسي" و هو ما كان محل تأييد من طرف المجتمع الدولي.

غير أنه لم تظهر في الأفق بوادر تنفيذ هذا الاتفاق، الأمر الذي أدى إلى تصاعد وتيرة العنف بالوتيرة السابقة في رواندا، و قد أدت الأحداث السابقة و اللاحقة وتقرير لجنة الخبراء التي أنشأها مجلس الأمن للتحقيق في انتهاكات القانون الدولي الإنساني على إقليم رواندا  والتي أكدت فيه على وجود أعمال إبادة جماعية شاملة، أصدر مجلس الأمن قراره رقم 955 الصادر بتاريخ 18/11/1994 الذي اعتبر فيه أن الحالة في رواندا ما برحت تشكل تهديدا للسلم و الأمن الدوليين، ومتصرفا فيه بموجب الفصل السابع من الميثاق وبعد طلب من الحكومة الرواندية، قرر إنشاء محكمة  جنائية دولية، لمحاكمة ومعاقبة الأشخاص المسؤولين عن ارتكاب جرائم الإبادة الجماعية والانتهاكات الجسيمة لقواعد القانون الدولي الإنساني التي وقت في رواندا عام 1994، تبعا لذلك تم اعتماد النظام الأساسي للمحكمة، وقد اتخدت هذه المحكمة من أروشا في تنزانيا مقرًا لها.

تتشكل المحكمة من أربعة عشر قاضيـًا، وقد ارتفع العدد إلى ستة عشر قاضيـًا بموجب التعديل الذي أجراه مجلس الأمن على نظامها الأساسي بموجب قراراه رقم 1329 الصادر سنة 2000.

تتكون المحكمة من ثلاث هيئات ابتدائية وهيئة استئناف واحدة، وأحكام المحكمة تقبل الاستئناف شريطة أن يكون الحكم الصادر عن الدرجة الأولى مشوبـًا بخطأ في تطبيق القانون أو خطأ في الوقائع من شأنه أن يخل بالعدالة.

يمتد اختصاص المحكمة الشخصي إلى أي شخص ولو لم يكن مواطنـًا روانديـًا اقترف إحدى الجرائم المنضوية في اختصاصها النوعي في الفترة ما بين 01/01/1994     و31/12/1994، كما يمتد اختصاصها إلى المواطنين الروانديين الذين يتواجدون في دول مجاورة لرواندا خلال نفس الفترة الزمنية.

كما أن للمحكمة اختصاصـًا نوعيـًا يمتد ليشمل الإبادة الجماعية الجرائم ضد الإنسانية وانتهاكات القانون الدولي الإنساني.

وبالرجوع إلى النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لرواندا نجده ينص على أنه يمكن للقضاء الوطني الرواندي نظر ومحاكمة الانتهاكات التي هي من اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، مع ذلك فإن المحكمة الجنائية الدولية تحتفظ بأولوية النظر في كافة القضايا التي تدخل في اختصاصها ولو بعد صدور حكم فيها عن القضاء الوطني ودون أن تكون المحكمة الجنائية الدولية جهة استئناف أو نقض.

وعليه اختص القضاء الوطني الرواندي بمتابعة ومعاقبة مرتكبي جرائم الإبادة الجماعية، غير أنه ونتيجة غياب الهيئات التي تعمل على حفظ الأمن أصبحت جريمة الإبادة الجماعية عبئا إضافيا ضخما لدى الجهات القضائية الرواندية، ومحاكمة الإبادة الجماعية لوحدها ضاعفت 100 مرة عدد القضايا المطروحة أمام القضاء الرواندي قبل 1994. فجرائم الحق العام تفاقمت في غياب المؤسسات التي يمكنها حفظ النظام بالإضافة إلى الدعاوى المدنية المتصلة بالإبادة الجماعية وهي المتعلقة بالمواريث، بالملكية، بأهلية الأشخاص ( يتامى أرامل...).

وبناء عل ذلك أصبح من الضروري استحداث هيئات قضائية خاصة بجريمة الإبادة وعليه استحدثت غرف متخصصة على مستوى المحاكم العادية مهمتها كشف ومتابعة الأفعال المشكلة لجريمة الإبادة الجماعية وجرائم أخرى ضد الإنسانية المرتكبة في رواندا.

أما عن الاختصاص الزمني لهذه الغرف المتخصصة فهو يختلف عن الاختصاص الزمني للمحكمة الجنائية الدولية لرواندا والتي يمتد اختصاصها إلى جريمة الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة في رواندا ما بين 01/01/1990 و31/12/1994 فقط، حيث تنص المادة الأولى من القانون العضوي رقم 08 /96 المؤرخ في 30 أوت 1996 المتعلق بإنشاء الغرف الجنائية المتخصصة " إنّ الأشخاص الذين يشتبه في ارتكابهم بعد تاريخ      31 ديسمبر 1994 الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون، يحاكمون أمام الغرف الجنائية المتخصصة."([47]).

والملاحظ هنا أن هناك انتهاك لمبدأ قانوني مستقر وهو عدم جواز محاكمة الشخص على جرم واحد مرتين.

  • الأساس القانوني لإنشاء المحاكم الجنائية الدولية الخاصة أو المؤقتة

إن السؤال الذي يطرح نفسه بحدة: ما هو الأساس القانون الذي اعتمد عليه مجلس الأمن لإنشاء المحاكم الجنائية الدولية الخاصة؟، والإجابة على هذا التساؤل تكمن في البحث في مسألة مدى شرعية مبادرة مجلسالأمن بإنشاء هذه المحاكم، حيث برز اتجاهان مختلفان نتناولهما تباعـًا.

الاتجاه الأول: يذهب البعض، بما في ذلك دفاع المتهمين أمام هذه المحاكم، أن مجلس الأمن لا يحق له إنشاء هذه المحاكم حيث أنها ليست من ضمن الإجراءات المنصوص عليها في الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

وتأسيسا على ذلك يرون أن هذه المحاكم وقراراتها تعد غير مشروعة، لكون قرارات إنشائها صادرة عن مجلس الأمن فهي في حد ذاتها غير مشروعة، وإنشاء مجلس الأمن لهذه المحاكم يشكل تجاوزا لصلاحياته المرسومة في الميثاق.

وقد أسسوا هذا الرأي على أساس أن مجلس الأمن الذي هو جهاز إداري ليس له أن يقوم بإنشاء محاكم قضائية، وهذا  ما حدث  في القضية "ديسكو  تاديتش" وهو صربي  بوسني متهم  بارتكاب  جرائم القتل والتعذيب، والاغتصاب في مخيم ضد مسلمي وكروات البوسنة المعروضة أمام المحكمة([48])

حيث طرح محامي الدفاع العديد من الانتقادات حول تأسيس المحكمة الدولية وعدم مشروعيتها، لأن نشأة مثل هذه المحكمة يجب أن يكون بموجب قانون أو بواسطة معاهدة متعددة الأطراف تحت رعاية الأمم المتحدة، أو بتعديل الميثاق، وليس بقرار من مجلس الأمن آخذين بعين الاعتبار عدة ملاحظات من بينها:([49])

  • عدم وجود سابقة في تأسيس محاكم دولية بموجب المادة 39 من الميثاق، كما أن الجمعية العامة لم تتدخل ومنذ تأسيس الأمم المتحدة في إنشاء محكمة دولية جنائية خاصة، حيث أن ميثاق الأمم المتحدة لم يمنح مجلس الأمن حق إنشاء هيئة قضائية بموجب سلطات الفصل السابع من الميثاق.
  • مجلس الأمن لم ينشىء في نزاعات مسلحة مختلفة، قد تكون أعنف من النزاع في يوغسلافيا سابقا، مثل هذه المحكمة الدولية .
  • لا يمكن لمثل هذه المحكمة الدولية أن تؤدي دورا في تعزيز السلم والأمن الدوليين لاسيما في جمهوريات يوغسلافيا سابقا .
  • ليس لهيئة ذات صلاحيات تنفيذية كمجلس الأمن تشكيل محكمة دولية مستقلة وغير متحيزة في الوقت نفسه للمحاكمة على أنواع معينة من الجرائم.

 لقد حاول قضاء لاهاي من خلال قضية "تاديتش" ، الرد على اعتراضات الدفاع حول شرعية مبادرة مجلس الأمن بإنشاء تلك المحكمة، أي مدى شرعية اللائحتين رقم 808 و 827 الصادرتين عنه، إذ قد عرف موقف قضاء لاهاي موقفا مزدوجا فيما يتعلق بهذه المسألة  بحيث رفضت غرفة  الدرجة الأولى القيام بفحص مسألة شرعية إنشاء هذه المحاكم معتبرة أنها لا تتمتع بهذه الصلاحية([50])، بينما قررت غرفة الاستئناف القيام بذلك فقامت بفحص مسألة شخصية، بمقتضى إجراء المراقبة عن طريق فحص الدفوعات التمهيدية، فردت بشكل مستفيض على اعتراضات الدفاع فيما يخص شرعية إنشاء محكمة من قبل مجلس الأمن([51])وتصدت لدفوع المتهم مقررة شرعية إنشاء المحكمة من طرف مجلس الأمن([52]).

وفي قضية "ميلوسوفيتش" الذي قدم دفعا بعدم مشروعية المحكمة الجنائية الدولية، غير أن الدائرة الابتدائية للمحكمة تصدت إلى هذا الدفع ورفضته بحجة أن مجلس الأمن يملك الحق في إنشاء المحاكم الجنائية لكون ذلك يدخل في سياق مهمته الرئيسة وهي الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين وإعادتهما إلى نصابهما([53]).

وقد تكرر الأمر أمام المحكمة الجنائية الخاصة برواندا في قضية "كانياباشي" وفيها رفضت المحكمة الدفع وقالت أن إنشاء المحكمة يقع ضمن صلاحيات مجلس الأمن الواردة في المادة 41 من ميثاق الأمم المتحدة، على أساس أن تهديد الأمن والسلم الدوليين يدخل ضمن اختصاصات مجلس الأمن([54]).

الاتجاه الثاني: يرى أنصار هذا الاتجاه أن مجلس الأمن هو الجهة التي تحدد وقوع تهديد أو إخلال بالسلم والأمن الدوليين، إذ نصت المادة 39 من ميثاق الأمم المتحدة على: "يقررمجلسالأمنماإذاكانقدوقعتهديدللسلمأوإخلالبهأوكانماوقععملامنأعمالالعدوان،ويقدم فيذلكتوصياتهأويقررمايجباتخاذهمنالتدابيرطبقالأحكامالمادتين41 و42 لحفظالسلموالأمن الدوليينأوإعادتهإلىنصابه".

وتأسيسا على ذلك فإن هذا النص يعتبر أساسيا في تحديد اختصاصات مجلس الأمن إذا تعلق الأمر بتهديد السلم والأمن الدوليين، والتي تحيلنا إلى تطبيق النصين 41 و 42 من الميثاق، كما أن فهم النص يتطلب مراجعة المادة 24/1 من الميثاق والتي تنص على:" رغبةفيأنيكونالعملالذيتقومبه الأممالمتحدةسريعافعالا،يعهدأعضاءتلكالهيئةإلىمجلس الأمنبالتبعاتالرئيسيةفيأمرحفظالسلموالأمنالدوليويوافقونعلىأنهذاالمجلسيعملنائباعنهمفي قيامهبواجباتهالتيتفرضهاعليههذهالتبعات"، وكذلك المادة 34 من الميثاق والتي تنص على :" لمجلسالأمنأنيفحصأينزاعأوأيموقفقديؤديإلىاحتكاكدوليأوقديثيرنزاعالكييقررماإذا كاناستمرارهذاالنزاعأوالموقفمنشأنهأنيعرضللخطرحفظالسلموالأمنالدولي".

ومن خلال قراءة هذه النصوص مجتمعة يمكن القول بأن لمجلس الأمن سلطات واسعة خاصة في تقرير ما إذا كانت حالة معينة أو موقف يشكل تهديدا أو إخلالا بالأمن والسلم الدوليين.

وبالرجوع إلى المادة 41 من الميثاق نجد أن لمجلس الأمن الحق في اللجوء إلى مجموعة من التدابير التي لاتتطلباستخدامالقوةالمسلحةلتنفيذقراراته،وله أنيطلبإلىأعضاء الأممالمتحدة تطبيقهذهالتدابير،ويجوزأنيكونمنبينهاوقفالصلاتالاقتصادية والمواصلاتالحديدية،البحرية، الجوية،البريدية، البرقيةواللاسلكيةوغيرهامنوسائلالمواصلاتوقفا جزئياأوكلياوقطعالعلاقاتالدبلوماسية.

أما المادة 42 من الميثاق فتطبق عندما لا تفي إجراءات المادة 41 بالغرض، حيث يجوز لمجلس الأمن أنيتخذبطريقالقواتالجويةوالبحريةوالبريةمنالأعمالمايلزملحفظالسلموالأمنالدوليينأولإعادته إلىنصابه.ويجوزأنتتناولهذهالأعمالالمظاهراتوالحصروالعملياتالأخرىبطريقالقواتالجويةأو البحريةأوالبريةالتابعةلأعضاءالأممالمتحدة.

علاوة على ذلك نجد المادة 29 من ميثاق الأمم المتحدة قد منحت لمجلس الأمن الحق في إنشاء من الفروع الثانوية ما يرى له ضرورة لأداء وظائفه، وهي بهذا تكون قد أعطت الحق في إنشاء المحاكم الجنائية الدولية.

وأيا كان الأمر فإن الاتجاه الأول وإن كان ضعيفا قد وجد من يدافع عنه، إلا أننا نميل إلى الاتجاه الثاني على ضوء ما قدمناه من حجج.

 ثانيا: دور مجلس الأمن في إنشاء المحاكم الجنائية الوطنية المدوّلة

اعتمد مجلس الأمن نماذج أخرى لإقامة محاكم جنائية وصفت بأنّها ذات طابع دولي وذلك عن طريق اتفاقيات ثنائية بين الأمم المتحدة، وسلطة دولة قامت فيها حرب أهلية أو اضطرابات ارتكبت خلالها جرائم ضد الإنسانية وأخرى يعاقب عليها القانون الدولي  بالإضافة إلى جرائم يعاقب عليها القانون المحلّي كما حصل في كمبوديا وسيراليون وسواها من الدول. وقد سمّيت هذه بالمحاكم المختلطة أو الهجينة، لأنّها كانت مؤلفة من قضاة دوليين وآخرين محليّين، وكانت تتولّى بصورة رئيسية تطبيق القانون الجنائي الدولي بالنسبة للجرائم التي يعاقب عليها القانون الدولي، وهي السبب الأساس في إنشاء هذه المحاكم، وبعض أحكام القانون المحلّي بالنسبة لأعمال يعاقب عليها القانون الوطني ولا تعتبر جرائم بنظر القانون الدولي.

إن عدد القضاة الأجانب، بالنسبة للقضاة الوطنيين، كان يخضع للاتفاق بين الأمم المتحدة وسلطة الدولة المعنية. ففي المحكمة الجنائية الخاصة بسيراليون مثلاً، كان القضاة الدوليون يشكّلون أكثرية القضاة وذلك من أجل الاستفادة من الخبرة القانونية التي يمكن أن يأتي بها القضاة الدوليون. 

 

  • الغرف الجنائية المتخصصة لتيمور الشرقية

بعد استقلال تيمور الشرقية وانسحاب القوات العسكرية الاندونيسية أنشأ مجلس الأمن بموجب التوصية رقم 1972 الصادرة في 25 أكتوبر 1999 إدارة مؤقتة لتيمور الشرقية أوكلت لها مهمة إعادة بناء وإعمار تيمور الشرقية وإعادة هيكلة وتأسيس النظام القضائي.

بموجب قرار مجلس الأمن([55])تم تأسيس جهات قضائية متخصصة أطلق عليها "الغرف الجنائية المتخصصة لتيمور الشرقية"، وتم ذلك في شهر مارس 2000  حيث تختصهذه الغرف باختصاص حصري لمحاكمة الجرائم الخطيرة المتمثلة في جريمة الإبادة الجماعية الجرائم ضد الإنسانية، جرائم الحرب، وجريمة التعذيب، وعلى هذه الجرائم تطبق هذه الغرف القانون الجنائي التيموري والقانون الجنائي الدولي، حيث عملت هذه الغرف إلى غاية 2005.

وعليه فالطابع المدول لهذه المحاكم يستدل عليه من القانون الواجب التطبيق، من تشكيلة القضاة ومن القانون الذي أنشأها وهو القانون الدولي.

هذه الغرف الجنائية المتخصصة كانت النموذج الأول لما سمي فيما بعد بالمحاكم الجنائية الهجينة أو المحاكم الجنائية المدوّلة.

 

  • المحكمة الجنائية الخاصة بسيراليون

إن تسيير الأزمات وإعادة تشكيل الجماعات السياسية في غرب إفريقيا لا يمكن أن يكون مثمر وذا جدوى دون التطرق إلى مسائل حقوق الإنسان ومسألة العدالة ومجابهة سياسة اللاعقاب، كل ذلك في جهد دولي يعمل على إخراج مجتمعات افريقيا الغربية من الأزمات التي قوضت فرص السلام عبر صراعات داخلية و أطماع إقليمية عملت لسنوات طويلة على زعزعت هذه المجتمعات، لذا جاء الرد من المجتمع الدولي بتأسيس المحكمة الخاصة بسيراليون سنة 2000 .

وعليه جاءت المحكمة الخاصة بسيراليون لتأكد قناعة المجتمع الدولي بالجزاء الجنائي الواجب اتخاذه على الانتهاكات و الفضائع التي ارتكبت في غرب إفريقيا حتى تتمكن هذه المجتمعات من بناء نفسها على أساس العدالة و المضي قدمـًا في المصلحة الإجتماعية.

إن النزاع الذي تم بسيراليون منذ سنة 1991 ، أدى بالحكومة  السيراليونية إلى طلب تدخل مجلس الأمن من أجل إنشاء محكمة دولية لمحاكمة ومعاقبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية وجرائم الحرب وغيرها من الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني والأعمال الوحشية المرتكبة خلال  الحرب الأهلية.

في جانفي سنة 2000 أبرمت اتفاقية دولية بين حكومة السيراليون والأمم المتحدة لغرض إنشاء المحكمة الخاصة.

عن طريق قراره رقم 1315 الصادر بتاريخ 14 اوت 2000 ، أسس مجلس الأمن المحكمة الخاصة بسيراليون و كلف الأمين العام للأمم المتحدة بالتفاوض من اجل إبرام اتفاق مع الحكومة السيراليونية من أجل إنشاء"محكمة خاصة مستقلة"، وكلفه بأن يقدم التوصيات المتوصل إليها من التفاوض.

في أكتوبر سنة 2000، الأمين العام قدم تقريره المتضمن مشروع اتفاق مع الحكومة السيراليونية وأيضا  نظام  المحكمة المقترح.

نتيجة للتفاوض وبعد مبادلات عديدة للرسائل بين مجلس الأمن والأمين العام تم الموافقة على هذا الاتفاق المتضمن إنشاء  محكمة خاصة في 16 جانفي 2002.

بعد إتمام التدابير الدستورية في دولة سيراليون و إتمام تصديق البرلمان على الاتفاقية تم تأسيس المحكمة رسميـًا في جويلية 2002، أصدرت للمحكمة أولى لوائح الاتهام و الاعتقال في مارس 2002.

على خلاف المحاكم الجنائية الدولية الخاصة ليوغسلافيا سابقا ، و رواندا،  اللتين تم إنشاءهما عن طريق قرارات مجلس الأمن تحت مظلة الفصل السابع من الميثاق،  المحكمة الخاصة لسيراليون هي هيئة  قضائية تم إنشاءها عن طريق اتفاق بين منظمة الأمم المتحدة والحكومة  السيراليونية، حيث وصفها الأمين العام بأنها محكمة تم إنشاءها عن  طريق معاهدة  ذات تركيبة و قضاء مختلطين.

هذا النوع من الإنشاء الإتفاقي يضفي بعض النتائج المتميزة سواء حول طبيعة       أو تسيير عمل المحكمة.

من جهة أخرى وبخلاف المحاكم المدوّلة الأخرى، تميزت المحكمة الجنائية الخاصة بسيراليون بأنها  هيئة مستقلة تعمل كمؤسسة منفصلة، مستقلة عن النظام القضائي السيراليوني.

واختصاص المحكمة الجنائية الخاصة بسيراليون هو سلطة مقاضاة الأشخاص الذين يتحملون المسؤولية الثقيلة للانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني([56]). وقانون سيراليون المرتكبة في الإقليم  السيراليوني  منذ 30 نوفمبر 1996([57])،وحتى تاريخ يتم تحديده عن طريق اتفاق بين الأطراف، بمن فيهم أولائك القادة الذين هددوا توطيد عملية السلام و تنفيذها في سيراليون، بإرتكابهم هذه الجرائم([58])

ولكن لتحديد الاختصاص الزمني، لم يأخذ الأمين العام  بتاريخ 23  مارس 1991 كتاريخ بداية الحرب الأهلية بسبب أن هذا التاريخ  بعيد جدا و يسبب عمل مكثف للمحكمة فأختار تاريخ 30 نوفمبر 1996 تاريخ  التوقيع في أبيجان على الإتفاق الأول حول السلام بين الحكومة السيراليونية وثوار جبهة التحرير كتاريخ يؤخذ فيه بعين الاعتبار الجرائم الأكثر خطورة المرتكبة من طرف جميع الأطراف  والمجموعات المسلحة في كامل الإقليم([59]).

        وللمحكمة الخاصة و المحاكم الوطنية في سيراليون اختصاص مشترك، ولها أيضا أسبقية على المحاكم الوطنية في سيراليون، كما يجوز لها في أي مرحلة من مراحل الدعوى أن تطلب من المحكمة الوطنية التنازل لها عن اختصاصها([60]).

تتشكل المحكمة الخاصة بسيراليون من الهيئات التالية([61]).

  • الدوائر و تتألف من دائرة أو أكثر للمحاكمة و دائرة استئناف([62]).
  • مكتب المدعي العام([63]).
  • قلم المحكمة([64]).

تطبق المحكمة الخاصة بسيراليون القواعد الإجرائية وقواعد الإثبات المستخدمة في المحكمة الجنائية الدولية لرواندا السارية وقت إنشاء المحكمة الخاصة على سير الدعاوى القانونية أمام المحكمة الخاصة، مع إجراء ما يلزم من تعديلات، وطبقا للنظام الأساسي لهذه المحكمة يجوز لقضاة المحكمة الخاصة بكامل هيئاتها تعديل القواعد الإجرائية وقواعد الإثبات أو اعتماد قواعد إضافية إذا لم تنص القواعد المطبقة على حالة محددة.([65]).

وما يلاحظ أن هذا النوع من المحاكم ذات الولاية المزدوجة أو المدوّلة قد بدأ يلقى إقبالاً كبيرًا من طرف الجماعة الدولية لمواجهة مسألة الحصانات أمام القضاء الوطني أو أمام قضاء الدولة المتضررة كما هو الشأن بالنسبة للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان.

 

  • المحكمة الخاصة بلبنان

أنشأت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان بموجب القرار رقم 1757([66])الصادر عن مجلس الأمن للأمم المتحدة في 30 مايو 2007، وفيها يكلف مجلس الأمن الأمين العام للأمم المتحدة باتخاذ كافة التدابير الضرورية من أجل إنشاء محكمة خاصة بلبنان، وبمراجعة الأحداث نسجل:

بتاريخ 13 ديسمبر 2005 يتقدم رئيس الحكومة اللبناني الأسبق فؤاد السنيورة بطلب إلى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان، يلتمس فيه إنشاء محكمة ذات طابع دولي وذلك من أجل محاكمة المسؤولين عن تفجير الـ: 14 فيفري 2005 ببيروت الذي أودى بحياة رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري بمعية 22 ضحية أخرى، فضلا عن التفجيرات المرتكبة في لبنان منذ 2004 ذات العلاقة بالتفجير الأول.

بعدما تم تحديد طبيعة وامتداد المساعدة الدولية التي يحتاجها لبنان في هذا الصدد، وبناء على تقرير الأمين العام للأمم المتحدة، وافق مجلس الأمن في الـ29 مارس 2006 على إنشاء المحكمة الدولية بموجب التوصية 1664/2006، وفيها أوكل  المجلس كذلك الأمين العام مهمة مباشرة مفاوضات مع الحكومة اللبنانية بشأن التوصل إلى اتفاق يرمي إلى إنشاء محكمة ذات طابع دولي استناداً إلى أعلى المعايير الدولية في مجال القضاء الجنائي([67]).

وفي 15 نوفمبر 2006 يقدم الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان إلى مجلس الأمن تقريره حول التشكيلة البشرية والهيكلية للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان([68]).

وفي 21 نوفمبر 2006 يبدي مجلس الأمن موافقته على مسودة الاتفاق الموقع بين الأمم المتحدة ولبنان، ويعطي الضوء الأخضر بإنشاء المحكمة.

وبحلول تاريخ 24 نوفمبر 2006 يوجه مجلس الأمن رسالة إلى الأمين العام يرحب من خلالها بإختتام المفاوضات مع الحكومة اللبنانية ويعرب عن ارتياحه للإتفاق المرفق مع تقرير الأمين العام بما في ذلك النظام الأساسي للمحكمة ودعا الأمين العام لاستكمال الإجراءات النهائية لإبرام الإتفاق مع الحكومة اللبنانية([69]).

وبتاريخ 06 فبراير 2007 وقعت كل من الأمم المتحدة والحكومة اللبنانية الاتفاق المنشئ للمحكمة الخاصة بلبنان.

وبعد 4 أشهر من حالة الانسداد داخل البرلمان اللبناني، يوجه رئيس الوزراء اللبناني بتاريخ 14/05/2007، رسالة إلى الأمين العام يطلعه فيها بأن جميع الإجراءات الوطنية للتصديق على الإتفاقية المتعلقة بإنشاء المحكمة الخاصة بلبنان قد أستنفدت، وأنه من غير الممكن إنعقاد البرلمان بسبب رفض رئيسه دعوته للإنعقاد، وإلتمس من الأمين العام للأمم المتحدة أن يعرض طلبه المتعلق بإنشاء محكمة خاصة للبنان في أقرب وقت ممكن على المجلس([70]).

وبتاريخ 30 ماي 2007 قررت المجموعة الدولية الحراك، و في إطار الفصل السابع من الميثاق تجاوز مجلس الأمن العقبات الدستورية اللبنانية من خلال إقراره القرار 1757 وذلك لغرض تنفيذ إتفاق إنشاء المحكمة وهذا بعد إقراره بوجود عقبات دستورية حقيقية في عملية إنشاء المحكمة مقررًا فيه أن يبدأ سريان الوثيقة المرفقة بهذا القرار- الإتفاقية المبرمة بين الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة بما في ذلك النظام الأساسي للمحكمة الخاصة بلبنان – إعتبارً من 10/06/2007،  ذلك ما لم تقدم الحكومة اللبنانية إلى الأمم المتحدة إخطارًا خطيـًا بموجب المادة 19/1 من الإتفاقية المرفقة يفيد بنفاذ الإتفاق قبل ذلك التاريخ([71]).

مما تجدر الإشارة إليه، أن القرار أتخذ بعشرة (10) أصوات مؤيدة ، حيث امتنعت خمسة (05) أعضاء من أصل خمسة عشر (15) عضو في مجلس الأمن وهم  - الصين روسيا، قطر، جنوب إفريقيا وأندونيسيا - إعتبارًا منهم أن الشروط التي تبرر اللجوء إلى الفصل السابع من الميثاق غير متوفرة، بل اعتبروا أنه لا يجوز تخطي الأمم المتحدة السيادة اللبنانية وأن إقرار المحكمة لهذه الصيغة تجاوز السيادة اللبنانية، وهنالك إحاطة قدمها "نيكولا ميشال" المستشار القانوني في الأمم المتحدة من أن إنشاء المحكمة عن طريق العملية الدستورية في لبنان يواجه عقبات دستورية حقيقية، ما يؤكد أن إنشاء المحكمة لم يتم وفق الآلية الدستورية المعتمدة في إقرار المعاهدات الدولية، ويعتبر هذا القرار شهادة ميلاد قيصرية للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان([72]).

أولا: الخصائص العامة للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان([73])

من وجهة نظر موضوعية عامة، حتى تكون المحكمة محايدة ومستقلة، تضمّن نظامها الأساسي جملة من الضمانات والمعايير القضائية المجردة، منها:

  • آلية شفافة وصارمة في تعيين قضاتها و مدعيها العام.
  • تتشكل غرف المحكمة من قضاة دوليين ولبنانيين.
  • يكفل النظام الأساسي حقوق المتهم أمامها ويضمن له الحماية.
  • الحق للأطراف المدنية في طرح وجهات نظرهم وإبداء آرائهم وملاحظاتهم، إذا اعتقدت المحكمة ضرورة قضائية في ذلك.
  • ولأسباب تتعلق بتحقيق العدالة والمساواة، ولدواعي الأمن والنجاعة الإدارية تنعقد المحكمة خارج لبنان.

هذا عن أهم الضمانات المحيطة بالمحكمة، أما عن أبرز خصائصها نذكر:

1- الطبيعة الدولية للمحكمة:

إنّ الطابع الدولي للمحكمة تم التأكيد عليه بدء في طلب الإنشاء الذي تقدمت به الحكومة اللبنانية إلى الأمين العام للأمم المتحدة، و هو ما أشارت إليه التوصية 1664/2006، والتي وافق فيها مجلس الأمن على الطلب اللبناني و تكليفه أمين عام المنظمة مهمة مباشرة مفاوضات مع الحكومة اللبنانية بشأن التوصل إلى اتفاق يرمي إلى إنشاء محكمة ذات طابع دولي، دون أن ننسى استناد المحكمة في عملها إلى أعلى المعايير الدولية في مجال القضاء الجنائي و تشكيلتها الهجينة.

2- اختصاص المحكمة أو الولاية الجنائية للمحكمة:

و هو يزاوج بين اختصاص مادي واختصاص زمني في آن واحد، وعليه تختص المحكمة بمتابعة ومعاقبة الأشخاص المتهمون بالمسؤولية عن:

تفجير الـ: 14 فبراير 2005 الذي أفضى إلى وفاة رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، و وفاة وإصابة أشخاص آخرين.

عمليات التفجيرات الأخرى الواقعة بلبنان في الفترة ما بين 01/10/2004           و12/12/2005، أو تلك الواقعة في مرحلة لاحقة، على أن تحدد هذه العمليات بالتشاور بين الأمم المتحدة و الحكومة اللبنانية متى اعتقدت المحكمة أنّ لها صلة ارتباط، طبقا لمبادئ العدالة الجنائية، وكانت بذات الطبيعة و الخطورة التي اكتساها تفجير الـ: 14 فبراير 2005([74]).

كما للمحكمة الخاصة بلبنان و المحاكم الوطنية في لبنان إختصاص مشترك، و تكون للمحكمة الخاصة ضمن اختصاصها أسبقية على المحاكم الوطنية في لبنان([75]).

يشمل هذا التلازم -على سبيل المثال لا الحصر- مجموعة من العوامل: الدافع والغاية من وراء الهجمات، صفة الضحايا المستهدفين، نمط الاعتداءات والجناة.

وتتميز هذه المحكمة عن سواها بإمكانية متابعة جرائم الحق العام متى كانت لها صلة بالاختصاص الأصيل للمحكمة، وهي تتمتع بأولوية المتابعة حيال القضاء الوطني اللبناني.

3- القانون الجنائي الواجب التطبيق:

يحافظ القانون الواجب التطبيق على الطبيعة الوطنية للمحكمة، حيث ينص النظام الأساسي على أنّ المحكمة تطبق التدابير المتضمنة في القانون الجنائي اللبناني المتعلقة بتجريم و معاقبة الأعمال الإرهابية، فضلا عن الجرائم و الجنح التي ترتكب ضد الحياة و تلك الماسة بالسلامة الجسدية للأشخاص، و التجمعات غير المشروعة و عد الإبلاغ عن الجرائم         و الجنح([76]).

 4- سير عمل المحكمة:

ورد في نص القرار 1757 ما يلي: تبدأ المحكمة الخاصة عملها في تاريخ يحدده الأمين العام بالتشاور مع الحكومة اللبنانية مع مراعاة التقدم المحرز في أعمال لجنة التحقيق الدولية المستقلة، وهذا ما ورد أصلاً في نص الاتفاق المرفق بالقرار 1757 في المادة 19 المعنونة بدء نفاذ ومباشرة المحكمة الخاصة أعمالها.

كما ورد في نص النظام الأساسي للمحكمة، تتلقى المحكمة الأدلة التي تم جمعها فيما يتصل بقضايا خاضعة لنظر المحكمة الخاصة قبل إنشاء المحكمة وقامت بجمعها السلطات الوطنية في لبنان أو لجنة التحقيق الدولية المستقلة وفقاً لولايتها المحددة في قرار مجلس الأمن رقم 1595/2005 والقرارات اللاحقة، وتقرر دوائر المحكمة مقبولية هذه الأدلة عملاً بالمعايير الدولية المتعلقة بجمع الأدلة، ويعود لدوائر المحكمة تقييم أهمية هذه الأدلة وهذا يعني أن تقويم الأدلة التي جمعتها المحكمة الدولية هي من اختصاص دوائر المحكمة لذا بالإمكان ضمها إلى قرارات الاتهام.

5- تنظيم المحكمة الخاصة:

 تتكون المحكمة الخاصة من الهيئات التالية: الدوائر، مكتب المدعي العام ، قلم المحكمة مكتب الدفاع.

  • الدوئر: و هي على ثلاث([77]):
  • الدائرة التمهيدية  بقاض دولي واحد. 
  • الدائرة الابتدائية بثلاثة قضاة، أحدهم لبناني و إثنان دوليان.
  • الدائرة الاستئناف بخمسة قضاة، اثنان منهم لبنانيون و الثلاثة الآخرون دوليون.
  • قاضيان مناوبان أحدهما لبناني و الآخر دولي، يمكن لها الحلول محل أي قاض لا يكون بوسعه مواصلة حضور الجلسات، وهذا بأمر من رئيس المحكمة الخاصة بناءًا على طلب من رئيس الدائرة الإبتدائية، لمقتضيات العدالة.

ينتخب كل من قضاة دائرة الإستئناف وقضاة الدائرة الإبتدائية قاضيـًا لرئاسة الجلسات يتولى تنظيم سير الإجراءات في الدائرة التي انتخب فيها، و يكون رئيس دائرة الإستئناف هو نفسه رئيس المحكمة الخاصة.

يعتبر وجود قاضي اتهامي مسألة ضرورة، حتى يضمن نجاعة و سرعة الإجراءات، يتفحص هذا القاضي و يؤكد القرارات الاتهامية، و بإمكانه إصدار أوامر بالتوقيف أو بالحبس و أية أوامر قضائية أخرى تكون ضرورية لمتابعة التحقيقات و لتحضير المحاكمات.

  •  مكتب الدفاع:

يوجد على مستوى مقر المحكمة مكتب للدفاع، و هو هيئة تتمتع بالاستقلالية، مهمته السهر على حماية حقوق الدفاع، تقديم الدعم و المساعدة لمحامي الدفاع ولمستحقي المساعدة القانونية كما تضع قائمة من النصائح فيما تعلق بحق الدفاع، و إلى كافة الأشخاص الذين تثبت لهم المساعدة القضائية، يعين مكتب الدفاع من طرف الأمين العام بالتشاور مع رئيس المحكمة الخاصة([78]).

ج- قلم المحكمة:

يتشكل قلم المحكمة من مسجل ومن عدد كاف من الموظفين، يعين المسجل من طرف الأمين العام للأمم المتحدة لمدة ثلاثة سنوات، ويجوز إعادة تعيينه لمدة إضافية يحددها الأمين العام بالتشاور مع الحكومة. وهو موظف أممي يسهر على إدارة و السير الحسن لمختلف مصالح المحكمة تحت إشراف رئيس المحكمة([79]).

6- تعيين القضاة و المدعي العام:

إعمالا للنظام الأساسي، يتمتع قضاة المحكمة وجوبا بأعلى المعايير الأخلاقية، يعرفون بحيادهم ونزاهتهم، فضلا عن خبرتهم الكبيرة في العمل القضائي، يكون قضاة المحكمة البعض منهم لبناني و البعض الآخر دولي، على أن لا يتجاوز عددهم إجمالا  إحدى عشرة (11) قاضيا، مع الأخذ بالاعتبار أنّ هذا العدد مرشح للزيادة في حالة افتتاح دائرة ابتدائية ثانية بحيث تتشكل من ثلاثة قضاة، أحدهم لبناني.([80]).

يعين الأمين العام للأمم المتحدة اختياريا القضاة اللبنانيين و عددهم في المحكمة بكافة غرفها 05 قضاة، بناءا على قائمة من 12 إسما تقدمها الحكومة اللبنانية بعد استشارة المجلس الأعلى للقضاء اللبناني.([81]).

أما القضاة الدوليون وعددهم في المحكمة 12 قاضيا، فيعينهم الأمين العام للأمم المتحدة من ضمن القضاة الذين ترشحهم الدول أعضاء هيئة الأمم المتحدة، أو يرشحهم "أشخاص ذوي الاختصاص". ([82]).

ويعين القضاة لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد.

يعين الأمين العام للأمم المتحدة مدعيا عاما بالتشاور مع الحكومة اللبنانية، لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد.

تعين الحكومة اللبنانية مدعيا عاما مساعدا و يكون لبنانيا، بعد استشارة الأمين العام للأمم المتحدة و المدعي العام.

يباشر الأمين العام للأمم المتحدة في تعيين القضاة و المدعي العام بناء على توصيات لجنة انتقاء تتكون من قاضيين يمارسون مهمة قاض دولي، أو سبق لهم و أن مارسوا هذه الوظيفة.

كما تضم المحكمة لجنة تسيير تؤسس بعد المشاورات بين الأمم المتحدة والحكومة اللبنانية، ومهمة هذه اللجنة تقديم المشورة و التوجهات العامة في تسيير المحكمة في كل الشؤون باستثناء الجانب القضائي، مع الدراسة و التصديق على ميزانية المحكمة.

 7- مقر المحكمة:

راسل الأمين العام للأمم المتحدة الوزير الأول الهولندي في 23 جويلية 2007 بدعوة الحكومة الهولندية حول إمكانية استضافة المحكمة الخاصة بلبنان، وفي هذه المراسلة نوّه الأمين العام للأمم المتحدة بخبرة هولندا و قدرتها المعرفية النفيسة كدولة مضيفة للعديد من المحاكم الجنائية الدولية.

جاء رد الوزير الأول الهولندي في الـ 14 أغسطس 2007 و فيه عبر أنّ حكومته تبدى استعدادها استضافة المحكمة الخاصة على إقليمها.

بتاريخ 21 ديسمبر 2007، ابرم اتفاق بين الأمم المتحدة و مملكة هولندا بشأن مقر المحكمة الخاصة بلبنان([83]).

8- تمويل المحكمة:

تتمتع المحكمة بتمويل مزدوج، 51 بالمائة من التمويل في شكل مساهمات تتبرع بها الدول الراغبة في ذلك، و تساهم الحكومة اللبنانية بـ 49 من التمويل المتبقي.

لا يمكن للمحكمة أن تباشر عملها فعليا إلا بعد تلقى مساهمات كافية للإنشاء فضلا عن نفقات عملها لمدة 12 شهرا، فضلاً عن تبرعات معلنة تعادل النفقات المتوقعة لفترة 24 شهر التالية من عمل المحكمة.

و في حال عدم كفاية التبرعات لتنفيذ المحكمة لولايتها، يقوم الأمين العام ومجلس الأمن بالبحث عن وسائل بديلة لتمويل المحكمة([84])

9- القواعد الإجرائية و قواعد الإثبات:

        على خلاف المحكمة الخاصة لسيراليون التي تطبق القواعد الإجرائية و قواعد الإثبات المستخدمة في المحكمة الجنائية الدولية لرواندا وقت إنشائها، يضع قضاة المحكمة الخاصة بلبنان بأنفسهم وفي أسرع وقت ممكن بعد توليهم مناصبهم، القواعد الإجرائية و قواعد  الإثبات([85]).  لإدارة الإجراءات التمهيدية والإجراءات الإبتدائية وإجراءات الإستئناف، قبول الأدلة، مشاركة وحماية المجني عليهم والشهود وغير ذلك من المسائل، كما يجوز لهم تعديلها مسترشدين في كل ذلك بقانون أصول المحاكمات الجزائي اللبناني من جهة، و أعلى معايير الإجراءات الجنائية الدولية من جهة أخرى، وهذا لضمان محاكمة عادلة وسريعة([86]).

10- العقوبات:

تصدر المحكمة أحكاما بالسجن علنية، معللة، كتابةً، تذيل بأي آراء مستقلة أو مخالفة، بأغلبية قضاة الدائرة الإبتدائية أو دائرة الإستئناف([87])، منصوص عليها في القانون الجنائي اللبناني قد تصل في أقصاها إلى السجن مدى الحياة أو لسنوات محددة على الشخص المدان، مستأنسة في ذلك حسب الإقتضاء بالممارسة الدولية فيما يتعلق بأحكام السجن وبالممارسة المتبعة في المحاكم الوطنية اللبنانية([88]).

يقضي المسجون مدة عقوبته في دولة يعينها رئيس المحكمة من ضمن قائمة الدول التي تبدي استعدادها استقبال الأشخاص المدانون بالسجن من طرف المحكمة.

  ثانيا: مواطن الإشكال في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان طبقا للقانون الدولي

إنّ المتتبع لمسار الأزمة السياسية في لبنان منذ صدور توصية مجلس الأمن الدولي رقم 1559/2004 التي يقضي بانسحاب كافة القوات الأجنبية من لبنان،  وما أحدثه من تصدع في الأوضاع العامة في البلاد ومن تدهور للاستقرار على المستوى السياسي والأمني يلحظ بوضوح أن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي أنشئت بموجب القرار الدولي رقم 1757 الصادر تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة بتاريخ 30 مايو 2007 قد فاقمت حالة التوتر الداخلي والانقسام بين اللبنانيين وشرّعت البلاد أمام تدخل فاضح للقوى الدولية الغربية.

وإذا كانت الحقيقة والعدالة مطلباً اجتماعياً لبنانياً فإن الآلية التي اعتمدت لتحقيق ذلك والظروف والتدخلات الدولية المريبة والأداء والتجاوزات الدستورية والقانونية التي أحاطت بها منذ تشكيلها إلى وقتنا الحاضر حولت المحكمة الخاصة إلى أداة وظيفية لتمرير مشاريع دولية على حساب مصلحة لبنان وأمنه وسيادته وإلى عامل تهديد فعلي مستمر للاستقرار فيه.

لقد قيل الكثير حول المحكمة الدولية ودورها والهدف من إنشائها وتركيبتها ونفوذ القوى الدولية فيها،وسنلقي هنا الضوء على الجانب القانوني حصراً من عمل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وما يعتري هذا الجانب من التباسات وإشكالات في بنيته ومنهجيته والقواعد المعتمدة فيه والتي من شأنها أن تقوض الثقة بإمكانية الوصول إلى كشف الحقيقة وتحقيق العدالة منذ انطلاقة التحقيق الدولي ومن ثم أعمال المحكمة الخاصة.

 1- مواطن الإشكال التي صاحبت ميلاد المحكمة

أ- تجاوز الدستور اللبناني:

في الثلاثين من شهر ماي 2007 تجاوز مجلس الأمن الدستور اللبناني من خلال إقراره القرار رقم 1757، وذلك لفرض تنفيذ اتفاق إنشاء المحكمة تحت الفصل السابع بعد إقراره بوجود عقبات دستورية حقيقية في عملية إنشاء المحكمة، غير أن تطبيق تدابير القمع المنصوص عليها في الفصل السابع (المادة الثانية-الفقرة السابعة) التي تسمح باستثناء مبدأ السيادة الوطنية (ميثاق الأمم المتحدة المادة الثانية الفقرة الأولى) يفترض مسبقاً وجود نزاع دولي يهدد السلم والأمن العالميين، وهو ما لم يكن متحققاً في الحالة اللبنانية، كما أنّ القرار 1757 نفسه لم يذكر أي نزاع من هذا النوع.

وما تجدر الإشارة إليه في هذا الصدد أنأي اتفاق دولي تبرمه الحكومة اللبنانية لا يصبح نافذا إلا بتصديق مجلس النواب عليه، وفقا للمادة 52 من الدستور اللبناني،  التي تنص على أن: " يتولى رئيس الجمهورية المفاوضات في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالإتفاق مع رئيس الحكومة. ولا تصبح مبرمة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء، وتطلع الحكومة مجلس النواب عليها حينما تمكنها من ذلك مصلحة البلاد وسلامة الدولة... ".

من الواضح إذن، أن الدستور اللبناني يلزم أن يتفق كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة في عقد المعاهدات الدولية، ومنها اتفاق إنشاء المحكمة مع الأمم المتحدة،فحين أرسل المستشار القانوني للأمم المتحدة، خلال عام 2006، مشروع المحكمة إلي لبنان لإصدارها وفقا للأصول الدستورية المرعية في الحكومة اللبنانية، أي وفقا لأحكام الدستور اللبناني، الذي ينص علي أن رئيس الجمهورية يتولي التفاوض في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة، وبعد ذلك تعرض علي مجلس الوزراء، علي أن يصدق عليها بعد ذلك من مجلس الوزراء وإصدار قانون بالتصديق علي مسودة الاتفاق كي تصير اتفاقية بين الطرفين، إلا أن رئيس الحكومة اللبنانية انفرد بهذا الأمر ولم يترك أي دور لرئيس الجمهورية، ولم تعرض علي مجلس النواب ولم يصدر بشأنها القانون المطلوب.

إن عدم انعقاد مجلس النواب اللبناني يعد السبب الرئيس في تعطيل المصادفة على الإتفاقية، وما قرار مجلس الأمن رقم 1757، المذكور أعلاه، إلا آلية لتفعيل الاتفاق المنشئ للمحكمة الخاصة بلبنان حسب الاتفاق المبرم بين الأمم المتحدة والجمهورية اللبنانية في 10/06/2007([89]).

ولا يمكن تفسير هذا الطرح على أنه يبطل سلوك الحكومة ويعدم أي أثر قانوني لموافقتها علي مشروع اتفاقية إنشاء المحكمة، فكل هذا وغيره يضفي الشرعية الدولية والدستورية على ميلاد المحكمة الخاصة بلبنان.

ب- تعثر الإجماع في مجلس الأمن حول إنشاء المحكمة

إنّ خمسة أعضاء من أصل 15 عضوًا في مجلس الأمن لم يصوتوا على القرار 1757 الذي أنشأ المحكمة بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وهم: الصين  روسيا، قطر جنوب إفريقيا واندونيسيا اعتبارا منهم أن الشروط التي تبرر اللجوء إلى الفصل السابع من الميثاق غير متوفرة، بل اعتبروا أنه لا يجوز تخطي الأمم المتحدة السيادة اللبنانية وأنّ إقرار المحكمة لهذه الصيغة تجاوز السيادة اللبنانية، وهنالك إحاطة قدمها "نيكولا ميشال" المستشار القانوني في الأمم المتحدة من أنّ إنشاء المحكمة عن طريق العملية الدستورية في لبنان يواجه عقبات دستورية حقيقية، و لاحظ فيها أيضـًا أن جميع الأطراف المعنية أكدت من جديد اتفاقها من حيث المبدأ على إنشاء المحكمة([90]).ما يؤكد أن إنشاء المحكمة لم يتم وفق الآلية الدستورية المعتمدة في إقرار المعاهدات الدولية، تصلب موقف الدول الممتنعة عن التصويت لصالح القرار

 2- إشكالية تعريف الجريمة الإرهابية بمنظور النظام الأساسي للمحكمة الخاصة بلبنان.

الجريمة الأساسية التي سوف تنظر بها المحكمة الخاصة بلبنان هي جريمة قتل الأرجح أنّها بدوافع سياسية، وصفت في قرارات مجلس الأمن بأنها عمل إرهابي، مع العلم أنّه لا يتحقق إلى اليوم تعريف متفق عليه دوليا لجريمة الإرهاب، أو لعقوبة معيّنة للعمل الإرهابي، لا بل إنّ جميع قرارات مجلس الأمن، المتعلّقة بمكافحة الإرهاب، تدعو الدول الأعضاء لتبنّي تشريعات داخلية تعتبر جرائم الإرهاب جرائم خطيرة وتصف لها العقوبات الملائمة.

وليس هناك قرارات قضائية لمحاكم دولية نظرت سابقاً بجريمة الإرهاب يمكن أن تشكّل هداية للمحكمة الخاصة بلبنان. لا بل هناك قرارات قضائية لمحاكم وطنية، في فرنسا والولايات المتحدة على وجه التحديد، لا تعتبر الإرهاب جريمة بموجب القانون الدولي، لذلك كان لا بدّ من اللجوء إلى القانون الجنائي اللبناني حصراً.

فضلاً عن ذلك لم يكن بالإمكان إحالة عملية اغتيال الرئيس الحريري على محكمة الجنايات الدولية، ليس لأنّ لبنان ليس عضواً فيها، فالمادة 12 من نظام المحكمة تعطي للمحكمة الدولية الصلاحية، إذا قبلت الدولة غير العضو بصلاحية المحكمة. إنّ الصعوبة في إحالة مسألة اغتيال الرئيس الحريري على محكمة الجزاء الدولية الدائمة تكمن في أنّ الجريمة التي سوف تنظر فيها، أي جريمة الإرهاب، لا وجود لها بين الجرائم التي تدخل في اختصاص محكمة الجنايات الدولية والتي جرى شرحها بالتفصيل في نظام روما.

من مميزات المحكمة الخاصة بلبنان كذلك، أنّها المحكمة الدولية الأولى التي تقام من قبل مجلس الأمن لمحاكمة مسؤولين عن جريمة اغتيال شخصية رسمية مشهورة، فلم يسبق للمجتمع الدولي أن تحرّك لمحاكمة مسؤولين عن مثل هذه الجريمة. وإذا تصوّرنا أن مجلس الأمن بما له من سلطة استنسابية، اعتبر أن مثل هذه الجريمة يشكّل تهديداً للسلم العالمي، وهو الأمر الوحيد الذي يضفي على قرار مجلس الأمن صفته الشرعية المستمدة من الميثاق  فاغتيال رئيسة وزراء باكستان "بنازير بوتو"، الذي تلا اغتيال الرئيس الحريري، لم يلق اهتماماً من قبل مجلس الأمن مشابهاً للذي لقيّه اغتيال الرئيس الحريري بالرغم من أنّ التشابه في طريقة الاغتيال والظروف السياسية التي صاحبته لا تعطي أي تبرير لمعاملة مختلفة، علما بأن أحداث سبتمبر 2001 الإرهابية لم تستدع قيام أي محكمة خاصة لمحاسبة الجناة، كما أن لبنان نفسه قد تعرض لعدد غير محدود من الجرائم و التفجيرات و مع ذلك لم يتدخل مجلس الأمن([91]).

 3- الجدل الفقهي حول الأساس القانوني لإنشاء المحكمة

يثور تساؤل حول الأساس القانوني لوجود هذه المحكمة: مفاده ما إذا كان وجودها يستمد شرعيته من الاتفاقية الدولية المبرمة بين الجمهورية اللبنانية والأمم المتحدة ، أم بموجب القرار الدولي المتعلق بإنشائها الصادر عن مجلس الأمن استنادا إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة؟.

من منطلق هذا التساؤل، فإننا نجد أنفسنا أمام اتجاهين، اتجاه يستند على الاتفاقية الدولية المبرمة بين حكومة لبنان والأمم المتحدة لوجود المحكمة، كما هو الشأن بالنسبة للمحكمة الخاصة بسيراليون وكمبوديا، والاتجاه الثاني يعتمد على أن المحكمة تستند في وجودها إلى قرار مجلس الأمن بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدةكما كان الحال بالنسبة للمحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا ورواندا ،ولكل اتجاه من هذين الاتجاهين أسباب تبرره.

 أ- الاتجاه الأول:

يرجع الأساس القانوني لوجود المحكمة إلى الاتفاق المبرم بين الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة، ولكنه اتفاق لم يأخذ صفة الدستورية لأنه لم يحظ لا بمصادقة البرلمان اللبناني ولا توقيع رئيس الجمهورية، و أنّ إرادة مجلس الأمن قد حلت محل إرادة الدولة اللبنانية في التصديق على هذا الاتفاق وبهذا يكون مجلس الأمن قد أدخل هذا الاتفاق حيز النفاذ بمخالفة الإجراءات الدستورية اللبنانية، و هكذا يفهم بأن مجلس الأمن قام بتبني اتفاقية دولية بالنيابة عن برلمان دولة أجنبية.

ومن الشواهد والدلائل التي توحي بأن الأمر يتعلق باتفاقية وليس بقرار دولي صادر عن مجلس الأمن، الإشارة الصريحة لمجلس الأمن في قراراته ذات الصلة إلى ضرورة مراعاة الإجراءات الدستورية اللبنانية قصد وضع هذه الاتفاقية موضع التنفيذ، فضلاً عن أن فكرة إنشاء محكمة ذات طابع دولي هي فكرة لبنانية قبلها مجلس الأمن و كلف الأمين العام مواصلة بحث تفاصيلها مع الحكومة اللبنانية.

وما توقيع الأمم المتحدة على الاتفاق بعد توقيع الحكومة اللبنانية لدليل قاطع على أن كلا الطرفين قد اختار الاتفاق كآلية لإنشاء المحكمة، وأن الحكومة اللبنانية كانت في مرحلة استكمال إجراءات التصديق وفقـًا للإجراءات الدستورية الداخلية([92]).

والواقع، أن هذا الاتجاه حتى و إن كان له ما يبرره، إلا أنه لا يصلح أن يكون أساسـًا لوجود هذه المحكمة استنادا إلى الاتفاقية الدولية التي يفترض فيها سلامة رضا الدول الأطراف، والذي يتعارض مع القول بأحقية مجلس الأمن بفرض اتفاقية دولية على دولة معينة.

فضلاً عن أن الطرح بإعطاء مجلس الأمن الحق في الحلول محل إرادة الدول في الدخول في الاتفاقات الدولية يتعارض مع مبدأ مهم من مبادئ القانون الدولي وهو عدم جواز التدخل في الشؤون الداخلية للدول([93]).

كما أن الطرح بأحقية مجلس الأمن بفرض اتفاقية دولية على دولة معينة لم تقبل بها يتعارض و الشروط الموضوعية لإبرام المعاهدة وهو رضا الأطراف المتعاقدة، وقد يرقى إلى أن يكون صورة من صور الإكراه الذي لا يجوز ممارسته للحصول على موافقة الدول للالتزام باتفاق ما، كما جاء في اتفاقيتي فينا لقانون المعاهدات لعام 1969  و 1986.([94])

 ب- الاتجاه الثاني:

وهو الذي نميل إليه و الذي يرجع أن الأساس القانوني الذي تستند إليه هذه المحكمة في وجودها و شرعيتها إنما هو مستمد من قرار دولي صادر عن مجلس الأمن استنادا إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

والحقيقة أنّ مجلس الأمن يملك حق وصلاحية إنشاء المحاكم الجنائية الدولية إما استنادا إلى صريح أحكام الميثاق، و إما بطريقة ضمنية استنادا إلى مهمته الرئيسية في حفظ السلم و الأمن الدوليين أو إعادتهما إلى نصابهما.

فضلاً عن ذلك، فإن مجلس الأمن عندما أصدر قراره رقم 1757 لسنة 2007 قد راعى ما أوجبه الميثاق على أساس أن المسألة التي هو بصددها تعد تهديدًا للسلم والأمن الدوليين، و إخلالاً بهما حتى يتمكن بعد ذلك من الاستناد إلى الفصل السابع من الميثاق، ذلك أن تقرير أو تكييف ما يعد تهديدًا للسلم و الأمن الدوليين من عدمه هو من صلاحيات مجلس الأمن استنادا إلى المادة 39 من ميثاق الأمم المتحدة التي تمهد للجوء إلى إجراءات الفصل السابع من الميثاق([95]).

 الخاتمة:

من خلال الورقة البحثية عن مجلس الأمن بين حماية حقوق الإنسان وضرورات حفظ السلم والأمن الدوليين باعتباره جهاز رئيس تابع للأمم المتحدة، ونظرا للسلطات المهمة التي يمنحها الميثاق والمتعلقة بالفصل السابع منه، يتبين لنا أن دوره في هذا المجال يتسم بالوفرة والنشاط وذلك بإصداره قرارات تدعو إلى احترام حقوق الإنسان وتفرض احترامه وتدعمه بالقوة متى لزم الأمر، ويظهر ذلك من خلال إستراتجيته لتصفية الاستعمار ومناهضة التمييز العنصري، وحماية المدنيين وتأمين وصول المساعدات الإنسانية إليهم وإقامة المناطق الآمنة الإنسانية جزء مهمـا من مفهوم حفظ السلم والأمن الدوليين.

كما قد ساهم مجلس الأمن في تطوير قواعد القانون الجنائي الدولي وذلك من خلال إنشائه لآليات متنوعة قضائية وغير قضائية مستندا في ذلك إلى سلطته التنفيذية الممنوحة له بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

كما أنشأ مجلس الأمن لجان تحقيق دولية ولجان تقصي الحقائق عن الانتهاكات الجسيمة في حقوق الإنسان وانتهاكات القانون الدولي الإنساني ومحاكم جنائية دولية مؤقتة ومحاكم جنائية وطنية مدولة لمعاقبة منتهكي حقوق الإنسان ومرتكبي جرائب الحرب وجرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية.

وقد يستخدم مجلس الأمن سلطته في الإحالة الممنوحة له بموجب النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لإحالة الأفراد المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان أمام المحكمة الجنائية الدولية.

والأساس القانوني الذي اعتمد عليه مجلس الأمن في تدخله لحماية حقوق الإنسان قد اتخذ على أساس ميثاق الأمم المتحدة الذي يمنحه الولاية العامة لحفظ السلم والأمن الدوليين بموجب المادة 24 منه، وعلى أساس الفصل السابع الذي يمنحه سلطة اتخاذ التدابير اللازمة عند وجود إخلال بالسلم، بموجب المادة 39 من ميثاق الأمم المتحدة والتي اعتمد عليها المجلس كثيرا في تبرير تدخله لتأمين المساعدات الإنسانية للمدنيين،  وهو ما يعرف بالتفسير الموسع لمفهوم تحديد السلم والأمن الدوليين.

كما يستند مجلس الأمن على التدخل في أوضاع داخلية بحتة نجمت عنها أزمات إنسانية حادة.

فضلا عما تمنحه له المادة 29 من الميثاق من حق إنشاء فروع ثانوية ما يري له ضرورة لأداء وظائفه أساسـا قانونيـا صالحـا في هذا المجال.

لكن ما يمكن ملاحظته على مجلس الأمن أنه قد يكون هو نفسه مصدرًا من مصادر انتهاك حقوق الإنسان، ويظهر ذلك خاصة من خلال العقوبات الاقتصادية التي يفرضها على الدول والتي تنجر عنها أزمات إنسانية هائلة.

وإذا كانت مسألة تحديد ما إذا كانت الحالة تشكل تهديدًا للسلم والأمن الدوليين من اختصاص مجلس الأمن، فإنه يمكن جعل هذه المسألة من الاختصاص الأصيل للجمعية العامة للأمم المتحدة في حالة واحدة على الأقل وهي حالة وجود انتهاك جسيم لحقوق الإنسان، وذلك نظرا لما تتمتع به الجمعية العامة من مصداقية أكثر من مجلس الأمن خاصة في مجال حماية حقوق الإنسان.

 



([1] )جمال عبد الناصر مانع، التنظيم الدولي: النظرية العامة والمنظمات العالمية والإقليمية والمتخصصة، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، مصر، 2007، ص ص 204-210.

([2] )تنص المادة 26 من ميثاق الأمم المتحدة على:"رغبة في إقامة السلم والأمن الدولي وتوطيدهما بأقل تحويل لمواردالعالم الإنسانية والاقتصادية إلى ناحية التسليح، يكون مجلس الأمن مسؤولاً بمساعدة لجنة أركان الحربالمشار إليها في المادة 47 عن وضع خطط تعرض على أعضاء الأمم المتحدة لوضع مناهج لتنظيم التسليح".

([3] )تنص المادة 83/1 من ميثاق الأمم المتحدة على:" يباشر مجلس الأمن جميع وظائف الأمم المتحدة المتعلقة بالمواقع الاستراتيجية، ويدخل في ذلك الموافقة على شروط اتفاقات الوصايةوتغييرها أو تعديلها".

([4] )تنص المادة 94 من ميثاق الأمم المتحدة على:"يتعهدكلعضومنأعضاء"الأممالمتحدة" أنينزلعلىحكممحكمةالعدلالدوليةفيأيةقضيةيكونطرفافيها.

إذاامتنعأحدالمتقاضينفيقضيةماعنالقيامبمايفرضهعليهحكمتصدرهالمحكمة،فللطرفالآخر.

أنيلجأإلىمجلسالأمن،ولهذاالمجلس،إذارأىضرورةلذلكأنيقدمتوصياتهأويصدرقرارابالتدابير

التييجباتخاذهالتنفيذهذاالحكم.

([5] )راجع المادتين 41، 42 من ميثاق الأمم المتحدة.

([6] )تنص المادة 40 من ميثاق الأمم المتحدة على:"منعالتفاقمالموقف،لمجلسالأمن،قبلأنيقدمتوصياتهأويتخذالتدابيرالمنصوصعليهافيالمادة39 ،أن يدعوالمتنازعينللأخذبمايراهضرورياأومستحسنامنتدابيرمؤقتة،ولاتخلهذهالتدابيرالمؤقتةبحقوق المتنازعينومطالبهمأوبمركزهم،وعلىمجلسالأمنأنيحسبلعدمأخذالمتنازعينبهذهالتدابيرالمؤقتة حسابه".

([7] )تنص المادة 39 من ميثاق الأمم المتحدة على:"يقررمجلسالأمنماإذاكانقدوقعتهديدللسلمأوإخلالبهأوكانماوقععملامنأعمالالعدوان،ويقدم فيذلكتوصياتهأويقررمايجباتخاذهمنالتدابيرطبقالأحكامالمادتين41 و42 لحفظالسلموالأمن الدوليأوإعادتهإلىنصابه".

([8] )جمال عبد الناصر مانع، التنظيم الدولي: النظرية العامة والمنظمات العالمية والإقليمية والمتخصصة  المرجع السابق، ص ص 206-207.

([9] )أنظر:

Emmanuel Decaux, Conseil De Sécurité : Des Nouvelles Compétences, Revue Mensuelle, Paris, Avril 2006/2, p35.

([10] )أنظر:

Emmanuel Decaux, Op. Cit, p36.                                                                                             

([11] )بيان مجلس الأمن الصادر بتاريخ: 26/02/1993.

([12] )كان عدد سكان الإقليم يقارب الـ 700 ألف نسمة، وفي سنة 1981 وبحسب عملية إحصاء السكان التي أجرتها الكنيسة الكاثوليكية تقلص عدد سكان الإقليم إلى 425 ألف وأرجع ذلك إلى عملية (كومودو Komodo) وهي عملية عسكرية واسعة لترويض الإقليم قامت بها  اندونيسيا منذ تاريخ 07 ديسمبر 1975.

([13] )راجع:

 S/RES/1246 (1999) adoptée le 11 juin 1999

([14] )أشارت الإحصاءات إلى سقوط 1500 ضحية خلال الفترة ما بين 01/01/1999 و 25/10/1999.

[15]- Emmanuel Decaux, Op.Cit., pp 36 - 41.

  

[16]- للمزيد راجع،

Yves Daudet, La crise d’ Haïti (1991, 1996), Cahiers du Cédin N° 12, Montchrestien, 1996.

[17]- للمزيد راجع،

- MUTAGWERA(F), Détentions et Poursuites judiciaires aux Rwanda, in, Justice Internationale face au Drame Rwandais, Editions Karthala, Paris, 1996.

- AMAHAME, Revue du Haut commissariat des Droits de l homme HCDH- Rwanda, Edition spéciale, Vol. V. Novembre 1995.

[18]- Adrien ARBOUCHE, Les Juridictions Hybrides du Timor-Leste, un bilan en demi-teinte, in, Droits Fondamentaux, Ed. Université Panthéon-Assas, Paris II, pp 03 et suite.

[19]- Emmanuel Decaux, Op.Cot. p 37.

([20] )أنظر:

Bruce M.Oswald, TheCreation And Control Of Places Of Protection During United Nations Peace Operation, RICE, December 2001 . VOL. 83. N°844, p. 1013

([21] )أنظر:

Michel Liegeois , Maintien De La Paix Et Diplomatie Coercitive, Bruxelle Bruyant , 2003 , pp.158-173.

([22] )د. منتصر سعيد حمودة، المحكمة الجنائية الدولية، دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية، 2006 ص56.

([23] )الفقرة 02 من ديباجة القرار 780الصادر في 12/10/1992، وثيقة الأمم المتحدة، ملحق رقم (1992) 780/RES/S، على موقع قرارات مجلس الأمن.

([24] )الفقرة 02 من متن القرار 780 السابق ذكره.

([25] )د. منتصر سعيد حمودة، المحكمة الجنائية الدولية، المرجع السابق، ص 56-57.

([26] )د. منتصر سعيد حمودة، المحكمة الجنائية الدولية المرجع نفسه، ص 57.

([27] )القرار 935 الصادر سنة 1994، وثيقة الأمم المتحدة، ملحق رقم (1994) 935/RES/S، على موقع قرارات مجلس الأمن، السابق للذكر.

([28] )د. منتصر سعيد محمود، المحكمة الجنائية الدولية، دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية ، 2006، ص 68.

([29] )الفقرة الثالثة من ديباجة القرار 935 (1994)، السابق ذكره.

([30] )الفقرة الثالثة من متن القرار  نفسه.

([31] )د. منتصر سعيد حمودة، المحكمة الجنائية الدولية، المرجع السابق، ص 68.

([32] )د. منتصر سعيد حمودة، المحكمة الجنائية الدولية، المرجع نفسه، ص 69.

([33] )القرار 1546 لسنة 2004، وثيقة الأمم المتحدة (2004) S/RES/ 1546، على موقع قرارات مجلس الأمن السابقة الذكر.

([34] )و تكونت اللجنة المذكورة من (محمد فائق من مصر – الأمين العام للمنظمة العربية لحقوق الإنسان أنطونيو كاسيس من إيطاليا- أول رئيس للمحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا سابقا، دييجو جارساي سايان من البيرو – وزير الخارجية و العدل السابق، هينا جيلاني من الباكستان – الممثل الخاص لأمين عام المدافعين عن حقوق الإنسان، تيبرسي ستريجنر من غانا – رئيس اللجنة العليا لإصلاح القانون في غانا)،  

http://www.Sudanesconline.com/anews/Oct9-276947-htm

([35] )النص الكامل لتقرير اللجنة الدولية، على شبكة الأنترنت على الموقع التالي:

http://www.icc-cpi.int/Library/cases/Report-to-UN-ON-DARFUR.pdf

([36] )بيان الأمين العام للأمم المتحدة بشأن تقرير لجنة التحقيق الدولية لدارفور، 01 فيفري 2005، منشور على الموقع التالي:

http://www.un.org/arabic/news/sg/searchstr.asp?newsid=441

([37] )البيان نفسه.

([38] ) MATHIEU NABOT, le rôle du conseil de sécurité dans la mise en œuvre de droit international humanitaire (notamment au travers de sons pouvoir coercitif), article écrit dans la cadre de séminaire de professeur sylvain vite, centre universitaire de droit humanitaire, Genève 2004, p.07et suite.

([39] )هذه النظرية ظهرت بمناسبة الرأي الاستشاري الصادر في: 11 أفريل 1949 و المتعلق بتعويض الأضرار المتكبدة في خدمة الأمم المتحدة، تفسر محكمة العدل الدولية ضرورة اللجوء إلى نظرية السلطات الضمنية كما يلي:

Selon le droit international, l'organisation doit être considérée comme possédant (des) pouvoirs qui, s'il ne sont pas expressément énoncés dans la charte, sont par une conséquence nécessaire, conférés a l'organisation en tant qu'essentiel.

أنظر/ بلخيري حسينة، المسؤولية الجنائية لرئيس الدولة، دار الهدى للطباعة و النشر، الجزائر، 2006، ص74

                                

([40] )MATHIEU NABOT, Op. Cit., P.8   

([41] )بلخيري حسينة، المرجع السابق، ص74. 

([42] )تنص المادة 13/ب من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الدائمة على:" إذا أحال مجلس الأمن،متصرفاً بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، حالة إلى المدعي العام يبدو فيها أن جريمة أو أكثر من هذه الجرائم قد ارتكبت.".

([43] )الفقرة 6 من القرار 1593، الأمر الذي يطلق العنان لغير السودانيين – في أن يفعلوا ما يشاؤون، و قد كان تضمين القرار هذه الفقرة نتاج موازنة سياسية، حاول فيها أصحاب المقترح (فرنسا) تقليص فرصة رفض المشروع من قبل الدول الدائمة العضوية، و هو ما يؤكد موقف الولايات المتحدة الأمريكية، التي لم تعرقل صدور القرار هذه المرة، و لكنها في الوقت ذاته أرادت إثبات عدم خضوع جنودها لنظام المحكمة ويظهر ذلك من خلال امتناعها عن التصويت على القرار.

([44] )                                                                             http://BBC.ARABIC.COM

([45] )                                                                 http://WWW.BBCARRABIC.COM

([46] )و قد سبق هذا الإنشاء لجنة خبراء لتقصي الحقائق بموجب قرار مجلس الأمن تحت رقم 780 لعام 1992.

([47] )للمزيد راجع،

 - MUTAGWERA (F), Détentions et poursuites judiciaires au Rwanda, in, Justice Internationale face au drameRwandais, éd., Karthala, Paris, 1996.

- NKUBITO (A.M), Situation Judiciaire au Rwanda, in, Génocide du XXe Siècle.

- AMAHAME, Revue du Haut comité des droits de l’homme HCDH-Rwanda, éd. spéciale, Vol. V, Nombre, 1995.

([48] )YVES PETIT, Droit International du maintien de la paix L.G.D.J., ELGA , Paris, 2000, p.151.

([49] )د.مرشد أحمد السيد د. أحمد غازي هرمزي، القضاء الدولي الجنائي (دراسة تحليلية للمحكمة الدولية الجنائية الخاصة بيوغسلافيا مقارنة مع محاكم نورمبورغ و طوكيو و رواندا)، الطبعة الأولى، الدار العلمية ودار الثقافة للنشر و التوزيع، عمان، 2002،ص 22.

([50] )بلخيري حسينة، المسؤولية الجنائية لرئيس الدولة، دار الهدى للطباعة و النشر، الجزائر، 2004،  ص. 71.

([51] )ANTONIO CASSES, the International Criminal for the Former YOUGOSLAVIA and  the Implémentation of International Humainitarian Law , les Nation Unies et le Droit International Humanitaire, Actes du Colloque International  de Genève LUIGUI Condorelli et al.(ed).Octobre 1955,  PARIS, Pedone .1999.pp. 241-242.

)[52](  The Prosecutor vs, Dusko Tadic, Case N°. IT-94-1-A (15 July 1999).

)[53](  The Prosecutor vs, Milosevic, Case N°. IT-02-54-AR73.3(1 November 2004).

)[54](  The Prosecutor vs, Kanyabashi, Jurisdiction, ICTR-96-15-T (18 June 1997).

([55])قرار مجلس الأمن رقم 1272، الصادر بتاريخ 25/11/1999.

([56])المادة 04 من النظام الأساسي للمحكمة الخاصة لسيراليون، المركز الدولي للعدالة الإنتقالية         سلسة وثائق مترجمة. ( المشار إليه فيما بعد بإسم: النظام الأساسي للمحكمة الخاصة لسيراليون).

([57])المادة 05 من النظام الأساسي للمحكمة الخاصة لسيراليون. 

([58])المادة 01 فقرة 01 من النظام الأساسي للمحكمة الخاصة لسيراليون.

)[59](  PHOTINI  PAZARTZI, Tribunaux Pénaux Inetrnationalisés, une nouvelle approche de la justice  pénale internationale . A.F.D.I., édition 2003, Paris, pp 643-646.

([60])المادة 08 من النظام الأساسي للمحكمة الخاصة لسيراليون.

([61])المواد 11، 12 من النظام الأساسي للمحكمة الخاصة لسيراليون.

([62])حول إجراءات الإستئناف راجع المادة 20 من النظام الأساسي للمحكمة الخاصة لسيراليون.

([63])راجع أيصـًا المادة 15 من النظام الأساسي للمحكمة الخاصة لسيراليون

([64])المادة 16 من النظام الأساسي للمحكمة الخاصة لسيراليون.

([65])المادة 14 من النظام الأساسي للمحكمة الخاصة لسيراليون.

([66])قرار مجلس الأمن رقم 1757/2007 الصادر بالجلسة رقم 5685 بتاريخ 30/05/2007

([67])قرار مجلس الأمن رقم 1664، الصادر في الجلسة رقم 5401 بتاريخ 29/03/2006.

([68])راجع تقرير الأمين العام للأمم المتحدة عن إنشاء المحكمة الخاصة بلبنان رقم 895/2006 الصادر بتاريخ 15/11/2006، الوثائق الأساسية، المجلد رقم 01، منشورات المحكمة الخاصة بلبنان، أكتوبر 2009.

([69])بيان رئيس مجلس الأمن رقم 911/2006 الصادر بتاريخ 24/11/2006.

([70])رسالة رقم 281/2007 بتاريخ 14/05/2007.

([71])تنص المادة 19 من الإتفاق الموقع بين الأمم المتحدة و الجمهورية اللبنانية بشأن إنشاء محكمة خاصة بلبنان على أن:

" يبدأ نفاذ هذا الإتفاق من اليوم التالي لإخطار الحكومة الأمم المتحدة خطيـًا بإكتمال الشروط القانونية لبدأ النفاذ.

تباشر المحكمة الخاصة أعمالها في موعد يحدده الأمين العام بالتشاور مع الحكومة، آخدًا في اعتباره التقدم المحرز في عمل لجنة التحقيق الدولية المستقلة".

[72]- حول المحاكم الجنائية المدوّلة، راجع،

 - Hervé ASCENCIO, Justice Pénale Internationale, in, Dictionnaire des Droits de l’Homme, P.U.F, 2008.

[73]- للمزيد راجع،

-  Avocats sans frontières France, Les Tribunaux Pénaux Internationaux, in, Les avocats au service des Avocats, fiche n° 21, CRIS 2008/ 165-110 EuropAid/1264, p 03.

([74])المادة 01 من النظام الأساسي للمحكمة الخاصة بلبنان، الوثائق الأساسية، المجلد رقم 01، منشورات المحكمة الخاصة بلبنان، أكتوبر2009 (المشار إليه فيما بعد بإسم: " النظام الأساسي للمحكمة الخاصة بلبنان") 

 ([75])المادة 04 من النظام الأساسي للمحكمة الخاصة بلبنان. 

([76])المادة 02 من النظام الأساسي للمحكمة الخاصة بلبنان. 

 ([77])المادة 08 من النظام الأساسي للمحكمة الخاصة بلبنان. 

 .([78])المادة 13 من النظام الأساسي للمحكمة الخاصة بلبنان.

([79])المادة 12 من النظام الأساسي للمحكمة الخاصة بلبنان.

([80])المادة 09 من النظام الأساسي للمحكمة الخاصة بلبنان.

راجع أيضا: المادة 02 من اتفاق بين الأمم المتحدة و الجمهورية اللبنانية بشأن إنشاء محكمة خاصة بلبنان ، الوثائق الأساسية، المجلد رقم 01، منشورات المحكمة الخاصة بلبنان، أكتوبر 2009.

([81])راجع المادة 02 فقرة 05 "أ" من اتفاق بين الأمم المتحدة و الجمهورية اللبنانية بشأن إنشاء محكمة خاصة بلبنان. 

 ([82])راجع المادة 02 فقرة 05 "ب" من اتفاق بين الأمم المتحدة و الجمهورية اللبنانية بشأن إنشاء محكمة خاصة بلبنان ، الوثائق الأساسية، المجلد رقم 01، منشورات المحكمة الخاصة بلبنان، أكتوبر 2009.. 

([83])اتفاق بين الأمم المتحدة و مملكة هولندا بشأن مقر المحكمة الخاصة بلبنان ، الوثائق الأساسية، المجلد رقم 01، منشورات المحكمة الخاصة بلبنان، أكتوبر 2009، ص46 و مابعدها. 

([84])المادة 05 من النظام الأساسي للمحكمة الخاصة بلبنان.

([85])هذه القواعد تم اعتمادها بتاريخ 20 مارس 2009، وعدلت بتاريخ: 05 جوان 2009، ثم عدلت بتاريخ 30 أكتوبر 2009، كما عدلت بتاريخ 10 نوفمبر 2010، ثم صححت بتاريخ: 29/11/2010.

([86])المادة 28 من النظام الأساسي للمحكمة الخاصة بلبنان.

راجع أيصـًا: المذكرة الإيضاحية: قواعد الإجراءات والإثبات، منشورات المحكمة الخاصة بلبنان، نوفمبر 2010، ص01 و ما بعدها.

وراجع أيضـًا: منشورات المحكمة الخاصة بلبنان : قواعد الإجراءات و الإثبات، نوفمبر 2010

([87])المادة 23 من النظام الأساسي للمحكمة الخاصة بلبنان.

([88])المادة 24 فقرة 01 من النظام الأساسي للمحكمة الخاصة بلبنان.

 ([89])الاتفاقية المبرمة بين الأمم المتحدة و الجمهورية اللبنانية بشأن إنشاء محكمة خاصة بلبنان ، الوثائق الأساسية، المجلد رقم 01، منشورات المحكمة الخاصة بلبنان، أكتوبر 2009.

([90])راجع قرار مجلس الأمن رقم 1757 الصادر بتاريخ 30/05/2007 في الجلسة رقم 5685.

 [91]- لمعلومات حول إحصائيات القتلى و الجرحى و المفقودين و المعوقين إثر انسحاب الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان راجع:

 MERIEKE Wierda, Early Reflections on Local Perception, Legitimacy and Legacy of the Special Tribunal for Lebanon, 5 Journal of International Criminal Justice (November-2007), p 1068.

([92] )ثقل سعد العجمي، مجلس الأمن والمحكمة الخاصة بجريمة إغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، مجلة الحقوق، العدد 2، السنة 34، جويلية 2010، ص ص 108-109.

([93] )راجع نص المادة 02 فقرة 07 من ميثاق الأمم المتحدة.

[94]- جمال عبد الناصر مانع: القانون الدولي العام، المدخل و المصادر، دار العلوم للتوزيع و النشر، الجزائر، 2005 ص. 120 و ما بعدها.

([95] )ثقل سعد العجمي، المقال السابق، ص ص 111-114.